وأكرر وأقول بأن السنن هي حجاب عن رؤية المرء ليد الله الفاعلة في الوجود، الناس يفسّرون صارت كثافة مطر جاءت أنهار .. ، لكن السؤال: من الذي أحدث هذا؟ ارجع كما قال - صلى الله عليه وسلم: (فمن أعدى الأول؟) ، من الذي أحدث هذا الفعل ابتداءً؟ ولذلك: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} ؛ ما من نبي إلا وهو يُنذر أمته بالوحي؛ يقول إنكم إن آمنتم كان بكم كذا وكذا، فإن عصيتم وقع عليكم كذا وكذا. فإذًا وقوع الأعمال في الوجود يقع بارتباطه بالإيمان.
وهذا في تفسير الحالة الاجتماعية لمجتمع تام، وكذلك يُفسَّر به الحالة الفردية للإنسان؛ بمعنى المرء يُعذَّب لمعصيته، ويُجازى بالخير لطاعته، فإن كان من أهل الطاعة وقع عليه البلاء ابتلاءً، من أجل أن يرفع شأنه ويُطّهر عنه سيئاته كالمرض (طهور إن شاء الله) [1] ، (من سَرَّهُ أن يُبسطَ له في رزقِه، أو يُنسأَ له في أَثَرِهِ، فليَصِلْ رحِمَه) ، (لا تُوكي فيُوكي الله عليكِ) وهكذا، فيجب علينا أن نستحضر هذا دائمًا لأنه من مهمات المعارك الكبرى بيننا وبين خصوم الإسلام، هم يريدون أن يفصلوا بين هذا العالم المشهود الذي نشهده وعالم الغيب، عالم الغيب الطاعات، ولكن الدنيا كلّها تزول، (لا تقومُ السَّاعةُ على أحدٍ يقول: اللَّهُ، اللَّهُ) . تعبد الله -عز وجل- هذا له أجر وله عظمة وله راحة وله اطمئنان إلى آخر ذلك مما يُحدث من الإيمان.
قوله: (فحاق) ترون أنها أخذت هذين المعنيين؛ الأول قلنا: وجبت، يعني يستحقون فهي من حقَّ أي وجب عليه. والثاني أنها أحاطت. لكن هل هي إحاقة عدديَّة أم إحاقة كيفيَّة؟ أم هما المعنيان معًا؟
يعني هل الله دمَّرهم عددًا فلم يُبقِ منهم أحدًا؟ أم أنهم دمرهم فلم يُبقِ منهم شيئًا؟، ولذلك قال الله -عز وجل-: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} ، ولما دمر الله 0 عز وجل- قوم لوط: {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} ، حاق أي محقًا عددًا وكميةً كذلك.
(1) صحيح البخاري: (3616) .