الصفحة 243 من 277

استخدم هنا قوله: (لقضي الأمر) ولكنه لما ذكر الإنظار قال (ثم) ؟ لأن الإنظار يحتاج إلى وقت، ولكن قضاء الله بأنهم كفروا هذا قد تم وانتهى أمره، ولكن من أجل أن يقطع حُجَّتهم استخدم أسلوب (ثم) . ولأهل البيان أقوال أخرى جميلة في هذا ولكن يكفي أن نستدل فيما نحن فيه بأن الله -سبحانه وتعالى- لا يُعذِّب حتى يتمّ البلاغ وتقع الحجة التامة، ولذلك لم يعذبهم حتى وقع الاستهزاء.

ولذلك قال: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} يقول له: الطريق مسلوك لست جديدًا على هذا الطريق، وهذا طريق الأنبياء كلّهم قد استُهزئ بهم، وكلّهم قد قيل فيهم ما قد قيل فيك، وإن كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - قد عانى في قومه أشدّ قال: (فرعوني أشد من فرعون موسى) [1] يقصد أبا جهل.

الآن أيها الإخوة عند قوله: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ} لماذا لم يقل -جلّ في علاه-:"فحاق بالذين استهزأوا به"وقال:"سخروا منه"؟ بعض العلماء قالوا: لأنها ثقيلة على اللسان. بعض العلماء قال لماذا يقول:"أراضين"، قالوا: لأنها ثقيلة على اللسان، والقرآن: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ} ومن الذكر تسهيل لفظه، وإن كان التسهيل أعظم من هذا بكثير، ولكن مِن التسهيل أنك لما تقرأه تجد في قراءته السهولة والتيسير.

لكن ما يهمنا في قوله: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ، نحن تكلمنا عن قضية مهمة وأكررها؛ والتكرار ضروري في مثل هذه القضايا لأن الناس في غفلة عنها، وهو ربط عالم الشهادة بعالم الغيب، وربط عالم الغيب بعالم الشهادة، وربط حركة عالم الشهادة بقضية الإيمان. يعني بمَ عُذّب هؤلاء المُستهزِئون؟ عُذّبوا بعمل يتعلق بموضوع الإيمان، وهو الاستهزاء بالرسول فوقع العذاب عليهم لعمل من أعمال الإيمان، إما أن يكون إيجابًا لهذا الإيمان وإمّا أن يكون سلبًا في موقف الإيمان. فإذا وقع الأمر على أمة من الأمم فيجب على المؤمن أولًا أن ينظر إلى ارتباط هذا الفعل بقضية الإيمان. والناس في غفلة عن هذا!.

(1) ذكره الإمام فخر الدين الرازي في كتابه (التفسير الكبير) ولم نقف فيه على حكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت