وقلنا إن أول درجة هي الإعراض، الدرجة الثانية هي: التكذيب، الدرجة الثالثة هي: الاستهزاء، فلما يصل الأمر في قَفْل القلوب بالاستهزاء حينئذ لا يمكن أن يفرّج عن قلب الذي استُهزئ به إلا تدمير الذي استهزأ به. راقبوها في أنفسكم، هذه فطرة.
واحد يُعاديك ويُخالفك، يردّ عليك قولك، يقول: هذا الكلام غير صحيح، ممكن لا بأس. لكن أن يكون مستهزئًا بك فتلك حالة لا يمكن للنفس أن تطيق معها إلا دمار هذا المستهزئ، ولذلك الله -عز وجل- جعل أنه {حَاقَ بِهِمْ} والعلماء قالوا: حاق بمعنى وجب، وقالوا: حاق بمعنى أحاط. والصواب أنها كلمة تحمل المعنيين، هذا سر القرآن.
فلذلك هذا الاستهزاء الذي حدث منهم، وانتبهوا إلى أنه لم يقع العذاب إلا بعد الاستهزاء وليس بمجرّد الإعراض، وهذا نكرّره لأنه من أعظم ما يحبّه الله هو أن يُعذر وأن يُقيم الحجة، لو أنه قيل له آمن فكفر، أو أعرض وقال: أنا لا أحب أن أسمع هذا الكلام فعذّبه، لبقي له مجال الحجة. لكن عندما ينتقل من الإعراض إلى التكذيب وإلى الاستهزاء، وانظر ما الفرق بين سخر واستهزئ؟ واستخدام هذين اللفظين في هذه الآية لأمر بيانيّ، لا فرق علميًا ولغويًا بين استهزأ وسخر، لكن انظر إلى ماذا تتعدّى كلّ واحدة. يقال: سخر به واستهزئ منه؛ فإنّ استهزأ تتعدّ بـ (من) ، وسخر تتعدّى بـ (ب) ، والباء للإلصاق تلتصق به، لكن (من) أقل ما يُقال أنها بيانيّة أي صارت حالة الاستهزاء حالة دائمة محيطة له، وإما أنه سخر منه حتى وصل إلى أعماقه منه.
ولذلك لما قال: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ} معناها أن الله -سبحانه وتعالى- قدَّر لهذا العبد أن يقع منه الاستهزاء الطويل الذي وصل إلى عُمق الإيذاء في نفس النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا من الإعذار، ولذلك ما قال:"كفروا فعُذّبوا فيها"ولكن قال: استهزأوا فوقع العذاب؛ دلالة على أن الله أعذر لهم، تركهم حتى وصل كفرهم إلى منتهاه وإلى عظمته، فقال: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} . وارجعوا إلى قضية طول المدة، افتحوا الآية قبل التي قبلها، ماذا قال؟ {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ .. } لماذا