الآن ما هي درجة انتقال الإرادة في علمٍ أردته لتُحدث عملًا ما؟ لتحمل شيئًا ما مثلًا؟ بمجرّد أنك تريده تحضر إليك، والقوة في داخل بدنك تحمله، ولا تذهب لتُحضِّر نفسك وتُجهِّز إرادتك من أجل أن تحمله فورًا، تحمله لأن إرادتك بالنسبة لهذا تتوافق مع قدرة عظيمة لديك، هذا بالنسبة للعلم.
ولذلك أعظم ما يصل إليه الناس هو أهل الإيمان في الجنة، قال: (يُلهَمونَ التَّسبيحَ والتَّحميدَ، كما يُلهَمونَ النَّفَسَ) [1] لا تنبعث إرادتهم إلا كما تنبعث إرادتهم في التنفس، هل تتذكر أنك تتنفس؟ هي إرادة منك، لكن هذه الإرادة مَلَكة نَفْس تتحرّك في داخلك من غير مُعوِّقات، وكذلك التسبيح في هذه المرتبة للإنسان في هذه الدرجة.
بعض الناس يقول لماذا احتاج النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عامًا؟ يمكن لبعض الناس أن يقولوا حِكَمًا كثيرة؛ حتى يتحقَّق الهجرة وغيره، ولكن من المهمات العظيمة في هذه الظروف أن يصبح هذا الدين بالنسبة لأتباعه مَلَكة نفس، حالة نفسية. ولذلك كل الآيات -وهذا بالاستقراء- التي فيها قيام الليل نزلت في مكّة، بل هي من أوائل الأوامر بعد الأمر الكلي لدين الله {اقْرَأ} ، {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} ، {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} وهكذا كل الآيات التي فيها ذِكر قيام الليل إنما ذُكرت في مكة المكرمة؛ لأن هذا من البناء النفسي، اهتم بنفسك. ما معنى أن تهتم بنفسك؟ ليس ما يريده بعض الجهلة من العبادة البِدعيَّة ولكن المقصود بالتَّزكية العلميَّة وهي مقصدة طلبه إسماعيل وإبراهيم -عليهما السلام- من ربّهما في أن يبعث لهذه الأمة نبيًا يحقّق فيهم التّزكية. ما معنى التزكية؟ أن يُصبح العلم مَلَكة نفس.
ولذلك لما ربنا يقول في هذه الآية: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} هذا كله من أجل بنائه، اطمئن {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} ، لكن السؤال: هل هذا تطمين لرسولنا بأنه سيُعذِّب أعداءه؟ لو جاء جاهل واعترض على هذا بقوله:"إنه ليس من الرحمة في أن يُطمَّن ويُسلَّى قلب هذا النّبي بأن يقول له سأُهلك أعداءك"، هذا ليس لكلّ أعداءه، هذا لأعداء على درجة خاصة من العداوة وهي: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ} .
(1) صحيح مسلم: (2835) .