الصفحة 240 من 277

فالقرآن في بنائه لعقل الإنسان المسلم شيءٌ عظيم، وكذلك في ردّه على الشّبهات، ولكن أعظم ما في القرآن بالنسبة إلى المسلم وخاصة الذي يُعاني في أوساطٍ مخالفة له، هي قضية البناء النّفسي. وهذه تحدّث عنها القليلون، الأفكار يُمكن أن تنتقل وأن تحدث في عقل السامع بسرعة، بمعنى أنّك تريد أن تقنع إنسانًا بفكرة فيمكن في جلسة، وممكن بجرّد أن تخاطبه بالحق يهتدي. ولكن أن يصبح لهذا الحقّ حضور في قلبه متفاعلًا في كيانه فتلك مسألة أخرى، هذه تحتاج العمر كله.

الناس كلهم متفقون على أن الصبر جيّد، وأنه خير من الجزع لكن كيف يستقرّ في قلب الإنسان عمل الصبر؟ وأن يعمل به وإذا وقع عليه البلاء يتفاعل مع الصّبر تفاعل الإنسان مع ملكاته؟

العلم يتفق الكل على أنه حسن، وهو خير من الجهل، لكن كيف يصبح العلم مَلَكة في النفس؟ ومعنى مَلَكة أي لا تحتاج إرادة لاستخدامها، هي موجودة في الإنسان؛ البصر بمجرّد أن تفتح عينيك حين تسمع صوتًا فتريد أن ترى الحدث فقط من غير أن تقول لإرادتك انبعثي من أجل أن تُبصري هذا الحدث، فورًا تتفتَّح عيناك وتبصر هذا الحدث، هذه مَلَكة. هذا هو العلم الذي يريده القرآن من العابد وهو أن يصبح هذا القرآن مَلَكة نفس بحيث يتفاعل معه في كلّ لحظة. بالنسبة للعلم هناك مرتبة مع القرآن فقط أصابت قلّة في التاريخ الإسلامي، يقولون:"فلان أَحْضَرُ الناس لآية"، وهذه وُصف فيها إمام الأئمة ونجم الأئمة مالك. ما معنى هذا الكلام؟ بمعنى أنه إذا وقع الحدث فورًا تخرج الآية مِن قلبه حاضرةً لجواب هذا المشهد، وتنطلق على لسانه.

إمام هذه المرتبة بالنسبة للمسلمين هو أبو بكر، ورأينا هذا جليًّا في قضية وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، الناس كلهم يقرؤون سورة آل عمران، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ} لو قيل له ابحث عن هذه الآية بزمن الهدوء يذهب ويبحث عنها ويقرأها بهدوء وعناية فتخرج له الآية. كيف غفل عنها كل الصحابة وهي بين أضلع صدورهم؟ فلأن البلاء عظيم تاهت الأذهان وغابت العلوم، ولم يستحضر هذه الآية إلا الصّدّيق. ولذلك"أحضر الناس لآية"هذه مرتبة عظيمة، تكون إذا اختلط القرآن بدم المرء وعقله وقلبه فصار له مَلَكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت