فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 221

ذلك أننا نرى الإنسان في ثوب الحياة ، يموج بالنشاط والحركة .. ثم يطرقه الموت ، فإذا هو هامد همود الجمادات التي بين أيدينا ، ثم هو في لحظة يغيّب في الثرى ، ثم إذا فتّش عنه بعد زمن ، رؤي وقد تحول إلى أنقاض ، ثم إذا أعيد إليه النظر بعد زمن آخر لم ير لهذه الأنقاض أثر!!

وعن هذا التصور ، يقول المشركون الذين لا يؤمنون بالحياة الآخرة ـ يقولون ما يقوله سبحانه وتعالى على لسانهم: « وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ؟ .. »

(10: السجدة) ولكن لو جاوزنا هذا الجسد ، لوجدنا أن الحياة التي كانت تلبسه ، قد اكتسبت بخلاصها منه بالموت ، قوة لا حدود لها ، حيث خرجت من هذا الحيّز الضيق الذي كان يحتوبها ، وانطلقت في هذا العالم الرحيب ، تحلّق فيه بقدر ما احتفظت به من خصائصها الروحية حال تلبسها بالجسد .. وفى هذا يقول الرسول الكريم: « الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا » .. وهو شرح لمعنى قوله تعالى: « اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى » (42: الزمر) ..

أما أن الميت يبقى بعد موته في حال همود ، وجمود ، إلى أن يجىء يوم البعث والنشور ، فهذا فهم خاطئ أيضا ..

فالإنسان إذ يموت ، فإن الموت ـ كما قلنا ـ لا يقع إلا على جسده ، أما روحه ، فإنها تجد في موت الجسد فرصتها للخلاص من القيد الذي قيدها به ..

وعلى هذا ، فإن الإنسان إذا مات ، فإنما يموت موتا ظاهريّا يرى في هذا الجسد ، وأما هو في حقيقته ، فهو حىّ في هذا الروح الذي انطلق من الجسد محمّلا بكل ما ترك الجسد فيه من آثار طيبة ، أو سيئة .. وفى هذا يقول الرسول ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ: « من مات فقد قامت قيامته » ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت