فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 221

فإذا جاء من عند اللّه من يخبر بأن بعد هذا الموت حياة أخرى ، وأن الموت ليس نهاية الإنسان ـ فهل يقع هذا عند العقلاء موقع الإنكار ؟ وكيف والشواهد كلها تشهد بإمكانيته ؟ بل وتقطع بأنه أمر لا بد منه ، من حيث أن هذه الحياة التي لبسها الإنسان بعد العدم ، إنما كانت ليقوم بها على خلافة اللّه في الأرض ، حيث بسط سلطانه ـ بعقله ـ على كل ما في هذا الوجود الأرضى .. ومخلوق هذا شأنه ، لا بد أن يرقى صعدا إلى أفق أعلى من هذا الأفق الأرضى ..

وإن هذه الخلافة التي للإنسان على الأرض ليست خلافة جماعية ، تحمل فيها الجماعة الإنسانية كلها تبعتها ، وإنما هى خلافة يحمل فيها كل فرد مسئوليته ، ويحاسب على ما كان منه ، فيجزى بالإحسان إحسانا ، وبالسوء سوءا .. وذلك يقضى بأن يردّ الإنسان إلى الحياة مرة أخرى ، ليحاسب ، وليثاب أو يعاقب ..

والسؤال هنا ، هو:إذا كان كذلك ، وكان لا بد من الحساب والجزاء على ما كان من الإنسان ـ فلم لا يحاسب في الحياة الدنيا ؟ ولم الموت ثم الحياة ؟ وما حكمة الموت ثم الحياة ؟ أليست هذه الحياة الجديدة هى عودة بالإنسان ـ نفسا وذاتا ـ إلى حياته الأولى ، ووصل لما انقطع منه بالموت ؟ وهل يضيف الموت شيئا جديدا إلى الإنسان حتى يكون لموته مساغا ..؟!!

ونقول: إن هذه التصورات هى نتيجة لهذا الفهم الخاطئ للموت الذي يقع على الإنسان بعد الحياة ، حيث يبدو منه أنه انقطاع للمجرى حياة الإنسان ، ثم إنه بعد زمن ما ـ قد يطول أو يقصر ـ يعود إلى الحياة مرة أخرى ، يوم القيامة!!

ولو فهم الموت على حقيقته ، وأنه ليس إلا تحوّلا من منزل إلى منزل ، وانتقالا من حال إلى حال ـ لو فهم الموت على هذا ، لما كان لمثل هذه التصورات أن تجد لها مكانا في تفكير الإنسان ، يوقع في نفسه هذه العزلة الموحشة بين الموت والحياة ..

فالموت ـ في حقيقته ـ هو حياة جديدة تلبس الإنسان خارج هذا الجسد الذي تركه الموت جثّة هامدة .. وتلك الجثة الهامدة التي يخلفّها الموت وراءه ، هى التي تعطي الموت تلك الصورة المخيفة المفزعة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت