فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 221

وهذا يعنى أن الميت إذ يموت ، يبعث في الحال بعثا جديدا ، بمعنى أنه يقوم من عالم النوم الذي كان فيه ، كما يشير إلى ذلك الحديث الذي ذكرناه من قبل ، وهو: « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » ..

وهذا يعنى أيضا أن هناك قيامتين: قيامة خاصة بكل إنسان ، وهى قيامته ساعة موته ، وهى ـ كما قلنا ـ قيامة من عالم النّيام ، عالم الحياة الدنيا ـ ثم قيامة عامة ، وهى التي يبعث فيها الناس جميعا من عالم القبور ، حيث تلتقى الأرواح بأجسادها مرة أخرى ، على صورة يعلمها اللّه سبحانه وتعالى ..

أما هذه الحياة التي عاشها الإنسان على هذه الأرض ، فهى اختبار وابتلاء له ، تتكشف فيه حقيقة طبيعته التي أوجده اللّه عليها ..

إنه في هذه الحياة أشبه بحبة بذرت في الأرض مع ما بذر من حبوب ، ثم لا تلبث كل حبة أن تكشف عن حقيقتها ، وعن الثمر الذي تثمره ، من جيّد أو ردىء.

، فإذا آن وقت الحصاد ، جمع كل زرع مع ما بشا كله ..وقد يسأل سائل: ولما ذا هذا البذر والغرس ؟ أليس صاحب البذر والزرع ، هو اللّه سبحانه وتعالى ، وهو سبحانه عالم بما كمن في هذا البذر من ثمر ؟

والجواب على هذا ، أن علم اللّه سبحانه بالمخلوقات قبل أن تخلق ، هو علم مكنون .. وخلق المخلوقات في صورها ، وأشكالها ، وأزمنتها ، وأمكنتها هو إظهار لهذا العلم المكنون ، وأنه لولا هذا لما قام الخلق ، ولما اتصف سبحانه بصفة « الخالق » ولظلّ الوجود في حال كمون .. يقول سبحانه: « هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ » (24: الحشر) .

ويقول سبحانه أيضا: « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ » (1 ـ 2: العلق) ويقول جل شأنه: « اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62: الزمر) . فكان مما اقتضته إرادة اللّه سبحانه أن يخلق هذا الذي خلق من موجودات وعوالم .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت