وأقول: هذا مذهب في قبول الروايات قد أخطئ الكثيرون فهم دلالته ، ووسعوا دائرة العمل بمفهومه الخاطئ ، حتى ضربوا بقوله صلى الله عليه وسلم عرض الحائط ، فخرج أكثرهم عن حد التساهل إلى التغافل ، وعن قيد التثبت والإحتياط إلى التقصير والإفراط ، ولم يفرقوا بين إسنادٍ يسيرٍ ضعفُه مجبورٍ كسرُه ، وإسناد ضعفه أكيد وكسره شديد ، فقبلوا روايات الكذابين والوضاعين ، وتوسعوا في رواية كل ما يلقى قبولًا ورواجًا لدى عوام المسلمين .
والحق أن التساهل المذكور لا ينبغى أن يتطرق إلى الأسانيد الواهية والموضوعة والباطلة ، وإلا لتهدمت قواعد وشرائط أداء وتحمل الروايات ، وأهمها عدالة الرواة وضبطهم ، وهذا معلوم من مذهب الإمام ابن مهدى نفسه ، فقد كان شديد الإنتقاد للرواة ، واسع المعرفة بدقائق علل الأحاديث . وتحرير القول في هذا المهيع الصعب ، ما قاله الإمام الجهبذ زين الدين العراقى فى (( التبصرة والتذكرة ) ):
فإن يُقلْ يُحتجُّ بالضعيفِ فَقُل إذا كانَ من الموصوفِ
رواتُه بسوء حفظٍ يُجبرُ بكونه من غيرِ وجهٍ يُذكرُ
وإن يكنْ لكذبٍ أو شذَّا أو قَوِىَ الضُّعفُ فلم يُجبرْ ذَا
وهذا الذى حرَّره ـ رحمه الله ـ هو حد الحديث الحسن عند الإمام الترمذى كما سبق ذكره بعاليه . فهذا النوع من الحديث ـ يعنى الحسن عند الترمذى ـ ، أو الضعيف المنجبر عند العراقى ، هو الذى عناه الإمام عبد الرحمن بن مهدى ، وأحمد بن حنبل ، والترمذى ، والبيهقى ، والبغوى ، وغيرهم ممن تساهلوا في أسانيد الرقائق والزهد والدعوات وفضائل الأعمال ، وقالوا بجواز العمل بالحديث الضعيف فيها .