فهرس الكتاب

الصفحة 510 من 719

ويجب ألا يخطئ أحد في مطالب بعض القيادات الشيعية العراقية؛ فهي مطالب انفصال بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فالفيدرالية الشيعية تشمل كل محافظات جنوب العراق، من بغداد إلى البصرة؛ وما توفره مواد مسودة الدستور على صعيد توزيع الثروة، ومنح الكيانات الفيدرالية (حقوق حفظ الأمن والتشريع والتمثيل الدبلوماسي) ، يؤسس لتقسيم فعلي يمكن أن يتحول إلى تقسيم نهائي ورسمي في المستقبل.

في العراق، ستفتح الفيدرالية الشيعية الباب لتطهير طائفي دموي؛ فلا الجنوب شيعي خالص ولا الوسط والشمال سنيون خالصون. بل إن الوجود السني في الجنوب، لاسيما في مناطق البصرة والكوت والناصرية والحلة والصحراء جنوب الفرات، هو وجود كثيف وعميق الجذور. ذلك أن التحول إلى التشيع بين العشائر الجنوبية هو ظاهرة حديثة نسبيًا، لا تتجاوز القرن إلى القرنين من الزمان، وهذا التحول لم يكن مكتملًا.

وإذا أخذنا التوجهات الطائفية الحالية لدى بعض القوى الشيعية السياسية في الاعتبار، فلنا أن نتصور أن الفيدرالية ستقود حتمًا إلى تطهير طائفي في الجنوب. ولعل القمع الأمني الدموي الذي تعيشه منطقة المدائن وجوارها ليس إلا محاولة لكسر الحزام السني جنوب بغداد، يحركها تصور لربط الكيان الشيعي في الجنوب بالكتلة الشيعية في العاصمة. التطهير الطائفي في الجنوب سيؤدي إلى تطهير طائفي في الوسط والشمال، لاسيما في مناطق بلد وتلعفر وكركوك، وإلى صراع دموي في بغداد.

بيد أن التقسيم الطائفي لن يقتصر على العراق. فمن دول الخليج إلى شمال شرق السعودية، أي في الجوار العراقي نفسه، حيث توجد أقليات عربية شيعية، لا يمكن بأي حال من الأحوال استبعاد انفجارات طائفية متلاحقة.

بل إن مؤشرات التوتر الطائفي تكاد تكون واضحة تحت سطح الوضع البحريني السياسي. سيكسر الانفجار السني-الشيعي في العراق والخليج حرمة الجماعات الوطنية العربية، وقد يبث حياة جديدة في مشاريع تقسيم إيران وتركيا إلى كيانات قومية، وتأسيس كيان علوي في سوريا وجنوب تركيا، وتقسيم السعودية إلى كيانات شيعية ونجدية وحجازية، وإقامة كيان بربري في المغرب العربي، وهكذا.

هذه المنطقة من العالم تربطها أواصر ثقافية وسياسية وتاريخية، وليس ثمة حدث أو متغير كبير في إحدى مناطقها يمكن عزله عن بقية المناطق. والفيدرالية الطائفية في العراق هي حدث وتطور كبيران في واحد من أهم بلدان المنطقة وأكبرها.

ما يدفع القيادات الشيعية إلى المطالبة بتأسيس كيان شيعي هو مزيج من المصالح الضيقة، والشعور المتزايد بعدم قدرتها على التحكم في العراق كله، والتغافل عن تاريخ العراق والقوى الحاكمة لتاريخه الطويل ، وفي حين من الضروري عدم تجاهل الدعم الذي يجده مشروع الفيدرالية من العراقيين الشيعة في الجنوب، لا تنبغي المبالغة في هذا الدعم أو في إمكان استمراره.

ففترات الحروب والاحتلالات الأجنبية وعدم الاستقرار السياسي والمعاشي هي بطبيعتها فترات خوف جماعي وشعور متزايد بالحاجة إلى الحماية واعتزال مصادر الاضطراب والقلق. ومشروع الفيدرالية الشيعية يؤسس الآن على هذا الخوف الجمعي، وعلى وعود وهمية بالاستقرار الانفصالي والرفاه.

لإفشال هذا المشروع يجب أن تتضافر جهود عراقية وعربية معًا؛ جهود سنية وشيعية على السواء. ينبغي كشف وتعرية التوجهات الطائفية الشيعية التي تهدد وحدة الجماعة والأمة، والتوجهات الطائفية السنية الوافدة أو المحلية التي تستخدم عصا التخويف لشيعة العراق. ينبغي إدراك المخاطر التي يحملها هذا المشروع الانقسامي على مستقبل العراق والعراقيين، وعلى مستقبل المنطقة ككل، بكل تنوعها الطائفي والإثني.

كما ينبغي التصدي للأساطير التاريخية التي يجري توظيفها من أجل تسويغ مخطط يوشك أن يأخذ العراق والمنطقة إلى حقبة طويلة من الموت والدمار.

[ انظر: الفيدرالية وتفكيك الجماعة الوطنية العراقية ، بشير موسى ، موقع المعرفة ، الثلاثاء 9/8/1426 هـ - الموافق13/9/2005 م ، بتصرف ] .

سادسًا: الموارد في الدولة الفيدرالية بحسب الدستور الجديد: إن الدستور تحدث عن مركزية توزيعها، الا انه قصر ذلك على الموارد المستثمرة حاليا وسكت عن التي ستستكشف لاحقا، وهذا ما سيكون بذرة لنزاعات مستقبلية. الا انه قبل ذلك يجب ان يكون حرصا حقيقيا على هذه الموارد، اذ ما لم يحدث توقف او تقليل فعلي للتخريب الذي يلحق بأنابيب النفط وشبكات الطاقة والبنى التحتية بسبب الاعمال المسلحة، فلن يكون هناك من العائدات والموارد ما يستحق اقتسامه.

[ مسودة الدستور العراقي: ملاحظات أولية ، جريدة الشرق الأوسط ، الأحد 23 رجب 1426 هـ 28 اغسطس 2005 العدد 9770 ] .

من ناحية أخرى: طالب خبراء عراقيون بتعديل الدستور لتفادي انعكاسات سلبية على الصناعة النفطية , منهم الوزير السابق السيد غضبان , وقد وجهوا الرسالة المفتوحة الى رئيس الجمعية الوطنية ( حاجم الحسني ) للاعتراض على فقرات الدستور .

المواد الدستورية قسمت نفط العراق اجمالا على جغرافيا , بحيث يصبح كل جزء جغرافي له دفع سياسي وفق ما تكون حصته في الكعكة بصورة عامة.

فعليه التنافس بين الاقاليم اصبح مبرمجا وفق توزيع القرار الاقتصادي السياسي.

هنا وجب طرح سؤال مهم: هل ان هذا التنافس سيكون سلبيًا ام ايجابيأ؟ لكي تتصدى الجمعية الوطنية بقرارات تشريعية تمنع السلبية وتبقي على الايجابية.

من اخطر سلبيات تلك المنافسة بين الأقاليم هو التنافس من اجل الحصول على المستثمر الأجنبي. أي كل إقليم من الأقاليم يقدم نفسه الأرخص بين الأقاليم لكي يجذب المستثمر.

السلبية الأخرى, هي ضعف الموقف التفاوضي بالنسبة للحكومة الاتحادية أمام شركات النفط العملاقة منها الأجنبية والوطنية.إذا كان للحكومة الاتحادية حق النقض , (كما لرئيس الولايات المتحدة) ,على أي عقد من عقود النفط التي تبرمها الفدراليات, قد تم دفع البلاء المحتمل.وحلت محله مصلحة الشخص العراقي, ذلك يتم بتوقيع الحكومة الاتحادية على العقد المقدم من قبل الشركات ,التي تقدم أكثر لكل جنسية عراقية أي الى خزينة الحكومة الاتحادية. هنا يصبح التنافس بين الأقاليم من مصلحة الحكومة الفيدرالية بما فيها قوتها التفاوضية أمام المستثمر.

[ انظر: هل ضيع دستورنا الفدرالي نفطنا؟ الدكتور لطيف الوكيل ، موقع بحزاني للحوار ( ص 1-2 ) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت