فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 719

فالأكراد يشعرون أن"اسرائيل"ستقف بقوة إلى جانب قيام دولة كردية في شمال العراق، وستعمل على توفير الدعم الأميركي لهذه الدويلة الجديدة رغم المعارضة التركية الجلية لها.

وفي تقديرنا، أن الأكراد بإصرارهم على الانفصال وتكريس فكرة الحق في تقرير المصير عبر الفيدرالية، والمطالبة بإجراء استفتاء على ذلك بعد عدة سنوات وهم واثقون من الانفصال بدليل أن استفتاءًا نظم في كردستان إبان الانتخابات الأخيرة أظهر فيه نحو 98% من الأكراد رغبتهم في الاستقلال والانفصال عن العراق، وهم إنما يرتكبون خطيئة تاريخية ويراهنون مرة أخرى الرهان الخطأ عبر توهم أن"اسرائيل"ستكفل لهم الحماية عندما تتحول دويلة كردستان في شمال العراق إلى كيان خاضع للحماية أو الوصاية الصهيونية.

إن الأكراد مطالبون بإعادة التفكير جيدا في قراءة الخريطة (الجغرا سياسية) الإقليمية، ومعرفة أن إقامة دولة كردية سيفتح عليها نيرانا إقليمية لا تنتهي وستجد تحالفًا ايرانيًا سوريًا تركيًا عراقيًا ضد هذه الدولة مما سيدخلها في دوامات صراع لا تنتهي.

كما أن على الأكراد استشفاف الدروس المستفادة من الغزو الأميركي للعراق، فأميركا بعد أن تدبر سيناريو خروج غير مهين من العراق، لن تفكر في العودة إليه ثانية، فلا يتوهم الأكراد أن قوات أميركية سوف تهبط في جبال كردستان مرة أخرى من أجل حماية الدولة الكردية المستقلة.

إن الرهان الحقيقي والخيار الاستراتيجي التاريخي لأكراد العراق هو في الحفاظ على روح التلاحم والأخوة الكردية ـ العربية في إطار أخوة الإسلام العظيم فهو الرابطة العظيمة التي ستبقى فوق كل حسابات سياسية مؤقتة أو أطماع ومطامح اقتصادية زائلة، وعليهم الاستفادة من حقيقة أن العراق هو أكثر دولة منحت الأكراد حقوقا ثقافية وسياسية وقومية في كل المحيط الإقليمي واعترف لهم بالحكم الذاتي الواسع الصلاحيات، وهو ما يمكن ترسيخه عبر تأكيد ذلك في دستور يحفظ وحدة العراق ولا يقود إلى تفكيكه أو تقسيمه، كما كشفت عن ذلك المداولات بشأن الفيدرالية في إطار الدستور الجديد.

وإذا كان النظام السابق قد عطل بنود قانون الحكم الذاتي للأكراد فانه بالإمكان الآن وأثناء صياغة دستور جديد أن يكفل تفعيل ذلك القانون ويضمن تطبيقه.وهنا لابد من القول أن هذه الحقوق الممنوحة للقومية الكردية هي ليست منحة أو منّة من أحد،فالكرد مواطنون عراقيون أصلًا لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم في هذا الوطن، وهي لا تقل عن حقوق وواجبات العراقيين العرب أو بقية طوائف المجتمع العراقي.ولا أحد يستطيع أن ينكر مواقفهم الوطنية في انجاز استقلال العراق ، وما قدموه من تضحيات في إطار الحركة الوطنية لا تقل شأنًا عمّا قدمته باقي القوميات الأخرى المتآخيه دون تمييز أو تفريق فالجميع شركاء في هذا الوطن وان معيار المفاضلة يكمن في التعبير عن الولاء له والانتماء إليه .

لقد بات المصير العراقي مهددا ليس فقط بتأثيرات المشروع الاستعماري الأميركي والذي يتعرض للفشل بفعل المأزق الذي خلفته المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي، ولكن أيضا بفعل المخططات والأطماع الاستراتيجية للقوى الإقليمية، وهو ما زاد من مخاطر تعاظم حدوث سيناريو شبح التقسيم العرقي والطائفي في العراق.

لكن أي محاولة لتكريس واقع هذا التقسيم عبر الدستور الجديد الذي مرر بارادة امريكية بعد أن رفضته محافظات ( الانبار/ الموصل / صلاح الدين / ديالى / السماوة / الديوانية ) بأغلبية ساحقة، سوف تقود إلى نشوب حرب أهلية طاحنة لا سامح الله أو الى مزيد من الوهن والمشاكل والاضطرابات ولو لم يكن على شكل حرب أهلية مفتوحة لأننا ما زلنا نثق بوعي العراقيين من أن ينزلقوا اليها .

فأهل السنة في العراق لن يقبلوا بسيناريو التقسيم، وسيتلقون فيما لو خرج الأمريكان من العراق دعما عربيا غير محدود، ولن يقبلوا بفكرة استئثار أكراد العراق بنفط كركوك والشمال وشيعة الجنوب بنفط البصرة والجنوب العراقي [ نتألم كثيرًا عندما نضطر الى ذكر هذه التسميات الطائفية ، لكنه واقع مفروض اليم علينا مواجهته بروح متألقة ] ، كما لن يقبلوا بفكرة انهيار (الدولة العراقية الموحدة) .

وإذا لم يتدارك أكراد وشيعة العراق _ ومنهم الدكتور العامود ! _ مخاطر السير في سيناريو تقسيم العراق عبر فكرة الفيدرالية، فإن الرهان على إمكانية أن تحمي أميركا النزعات الانفصالية بعد انسحابها من العراق سيكون رهانا خاسرا وعقيما ووخيم العواقب، وقد يفتح أبوابًا من الجحيم لا أحد يستطيع التنبؤ بمساره أو تداعياته الخطيرة والتي لن تنتهي حتما بنجاح سيناريو التقسيم.

إن قدر العراقيين هو العيش معا في إطار دولة موحدة تحترم وتصون التنوع الثقافي والعرقي والطائفي، وتكفل تقاسم ثروة العراق النفطية وثرواته الأخرى في إطار من العدالة والمساواة، وإزالة أخطاء الماضي في هذا المجال، وذلك في إطار نظام العدالة التعددي وليس في سياق محاصصة عرقية وطائفية لن تقود إلا إلى دمار وخسارة الجميع.

وعلى القيادات السياسية في العراق أن تتحلى بروح المسؤولية التاريخية والوطنية وتنظر ببصيرتها إلى الأفق البعيد، إلى ما بعد خروج قوات الاحتلال الأميركي، فلا مستقبل إلا في إطار العراق الموحد أما الرهان على مؤازرة قوى خارج العراق فلن يكون مصيره إلا الفشل.

فالعراق الموحد الحر القائم على التعايش بين الثقافات والانتماءات وتعميق التآلف والوحدة الوطنية والمنتمي لروابطه التاريخية المتمثلة في العروبة والإسلام هو الطريق الوحيد لبناء العراق العصري الذي يتطلع إليه كل العراقيين على مر السنين.

[ انظر: مصير العراق في ظل صدمة الفيدرالية وشبح التقسيم ، عبد المالك سالمان ، ( ص 1-5 ) بتصرف] .

رابعًا: وفق المقاييس والمعايير الموضوعية نلاحظ إن مطلب الفيدرالية كما طرحت مشروعه وتصر عليه القيادات الكردية وأكثر القيادات الشيعية هو أقرب إلى الكونفدرالية واتحاد دولتين ذات سيادة منه إلى الفيدرالية بين أقاليم دولة واحدة ، مما يثبت عدم ملاءمته لظروف شعبنا وتطلعاته المستقبلية .

وهي لا تعني المطالبة بها في ظل الظروف التي يمر بها القطر سوى تقطيع كيان العراق الجغرافي وتمزيق أواصر وحدته الوطنية وإضعاف عوامل هيبته السياسية ، فخطورتها تكمن في إن الدول الفيدرالية إذا ما تفككت لأي سبب كان مستقبلًا فإنها ستنقسم إلى كيانات ودول جديدة على أساس المقاطعات الفيدرالية المكونة لها سابقًا وهذا مالا يرضاه كل مواطن عراقي غيور .

[ الفيدرالية وإمكانية تطبيقها في العراق ، د عبد علي محمد سوادي ( ص 8-9 ) بتصرف/ شبكة النبأ المعلوماتية ] .

خامسًا: المشروع المطروح للفيدرالية، والذي فصل في عدد من مواد مسودة الدستور، يضع نهاية للكيان الوطني العراقي ولهوية العراق العربية، ويدعو إلى تقسيم طائفي للعراق. وهذا المشروع يهدد كل الكيانات الوطنية العربية الكبرى، التي لا تخلو جميعها من تعددية إثنية أو دينية.

ما يشهده العراق اليوم هو تطور غير مسبوق في تاريخ الجماعات العربية الوطنية منذ ولادتها قبل زهاء قرن من الزمان. لم يسبق أن وقفت قيادات سياسية تدعي الحديث باسم كتلة رئيسة من كتل الجماعة الوطنية، كما تقف القيادات الشيعية العراقية، لتطالب بكيان منفصل لهذه الكتلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت