ولعل أكراد العراق من هذه الشعوب التي سكنت الأطراف الشمالية الشرقية من العراق. قادمةٌ من مناطق القوقاز وغيرها، وبتأثير الدولة الصفوية العنصرية التي حكمت العراق ردحًا من الزمن أيام ضعف الدولة العباسية، دانت أقوامٌ بالمذهب الصفوي، وساد هذا المذهب الأطراف الشرقية من العراق وما لبث أن توغل إلى العمق العراقي.
نخلص إلى القول... هل يعطى الحق لمثل هذه الأعراق أو الملل أن تعتبر الأرض التي وفدت إليها أرضها بالتقادم. وتطالب باقتطاعها لتشكل عليها وطنًا قوميًا لها ؟ طبعًا لا... فالعراق أرضٌ قديمةٌ قَدمَ التاريخ. تكاد أن تكون حدودها موثقةٌ. ولم يحدث أن اتهم العراق بأنه ابتلع شبرًا من أراضي الغير. لهذا فإن إثارة مشاريع الفيدرالية والتقسيمات، سيجلب إلى المنطقةِ كارثةً هي في غنىً عنها. ولعل دولة الشعوب الإيرانية ستكون المتضرر الأول من تقسيم العراق ، لإنها هي الأخرى خليطٌ من الأعراق والملل والأديان والأجناس، تنفرد بقيادتهم الأمة الفارسية القومية العنصرية، والتي لا يزيد عدد سكانها على الـ 25 مليون نسمة، مقابل 15 مليون كردي في الشمال الغربي لها الملاصق للعراق ، فيما تشكل الشعوب العربية والتركمانية والبلوشية والاذربيجانية بقية الدولة .
إذن... لا جدوى من الفيدرالية. فالغرباء لا يحق لهم تمزيق وحدة العراق.
[ لا للفيدرالية ، طلال معروف نجم ، موقع اذاعة العقاب 1/3/2005م ] .
ثالثًا: إن المشروع الأميركي لبناء (النموذج الديمقراطي المشع) في العراق، وهو الحجة الرسمية المتبقية للدعاية الأميركية بعد تهافت وانهيار الذرائع الأخرى، قد ينتهي إلى تحقيق الحلم الصهيوني في تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات طائفية وعرقية متناحرة حتمًا، هي شمال كردي ووسط سني وجنوب شيعي ( أو الى أكثر من ذلك كما يحلو للدكتور واثب العامود في تصوراته عن الفيدرالية حتى غدا العراق ثوبًا يختلف الخائطون في تفصيله كلٌ على هواه !! ) ، وهو ما سبق أن حذرنا منه مرارًا وتكرارًا وتخوف منه الكثيرون غيرنا ممن يحدوهم الأمل بألا تنتهي كارثة غزو واحتلال العراق إلى كارثة أعظم، وهي تفتيت وتقسيم هذا البلد العربي الكبير والعريق وإدخاله في دوامة حرب أهلية لا يعرف أحد متى يمكن لها أن تنتهي.
[ انظر: مصير العراق في ظل صدمة الفيدرالية وشبح التقسيم ، عبد المالك سالمان ، ( ص 1-5 ) بتصرف] .
كلنا نذكر أن الحديث عن تقسيم العراق لم يكن وليد الساعة، بل بدأ منذ سنوات عدة، ومن أوائل من بدأ بتعميم تلك الفكرة هم الصهاينة، حيث كان ما ذكره وزير الخارجية الأمريكية السابق الصهيوني هنري كيسنجر حول ضرورة تقسيم العراق يمثل أنصع مثال على التدخل المباشر للصهيونية العالمية والداعمين لها من اليمين الأمريكي.
كما تبعت تصريحات الصهاينة من اليمين المتطرف الأمريكي حول تقسيم العراق دعوات مماثلة من قبل مستشارين في الإدارة الأمريكية ممن يشاركون في وضع ستراتيجات أمريكا العسكرية والسياسية. فقد دلتنا التجارب الخاصة بالسياسة الأمريكية في العقود القليلة الماضية أنه حين تكون الإدارة الأمريكية قد قررت المضي فيما نصحها به مستشاروها، تبدأ علامات ما ستقوم به الولايات المتحدة بالظهور على سطح الأحداث، وبشكل خاص في وسائل الإعلام الصهيونية المرتبطة باليمين الفاشي الأمريكي، وهذا ما حدث بالضبط حين بدأت دعوات تقسيم العراق بالظهور علنًا. وبمتابعتنا لما كتبه الإعلام الصهيوني الأمريكي مؤخرًا، وجدنا الكثير منه حول هذا الموضوع، وكان أبرز ما نشر عن تقسيم العراق في الآونة الأخيرة هما مقالين جديرين بالتوقف عندهما. أولهما كتبه «جون يو» ، أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا ـ بيركلي والباحث في منظمة اليمين المتطرف الإجرامية المعروفة بإسم American Enterprise Institute، في صحيفة «لوس أنجيليس تايمز» إقترح فيه تقسيم العراق إلى ثلاثة مناطق/أقاليم. علمًا بأن «جون يو» هذا هو نفسه من إقترح على الإدارة الأمريكية مسبقًا بذر الشقاق بين فصائل المقاومة الوطنية العراقية من خلال إنشاء فصائل مقاومة وهمية تقوم بأعمال إجرامية بحق المواطنين العراقيين الآمنين الهدف منها تقليص الدعم الشعبي الواسع للعمليات النوعية التي تقوم بها المقاومة ضد قوات الإحتلال
.. وما شاهدناه على الأرض بهذا الخصوص، وبالذات في الأشهر القليلة الماضية كان خير دليل على ما كان «جون يو» قد إقترحه على الإدارة الأمريكية المتصهينة والموغلة في عنجهيتها وغطرستها وجبروتها.
والمقال المهم الثاني هو ما كتبه رجل القانون الأمريكي «ألان توبول» في نفس الأسبوع الذي نشر فيه «جون يو» مقاله عن تقسيم العراق. و «توبول» هذا عمل هو الآخر على مدى أربعين عامًا مستشارًا للإدارات الأمريكية ومنها إدارة بوش الحالية، حيث يعتبر واحدًا من كبار منظري الستراتيجية العسكرية والسياسية لليمين المتطرف في الإدارة الأمريكية.
وقد كان ما كتبه «توبول» مؤخرًا في موقع Military.com الخاص بالجيش الأمريكي هو دعوة الإدارة الأمريكية إلى تقسيم العراق تمامًا بنفس الأفكار والأسلوب التي دعى إليها"جون يو"كما نقلنا عنه ذلك آنفًا وهو يدل علة وجود توجه استراتيجي .
فعلى سبيل المثال، ذكر كلا الكاتبين بالتوافق، أو بالصدفة (لنسمها ما شئنا) أنه بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 كانت هناك 74 دولة مستقلة فقط، في حين أن عدد الدول المستقلة الآن هو 193 دولة !!! وهنا حاول هذان الكاتبان توجيه الأنظار إلى أن زيادة هذا العدد من الدول المستقلة !!! إلى 196 دولة سيكون حقيقة واقعة بعد تفتيت العراق إلى ثلاث دويلات. كما ذكرا وبكل وقاحة الدور الأمريكي بتفتيت الإتحاد السوفيتي ويوغسلافيا وعدد من دول أوربا الشرقية الأخرى مثل تشيكوسلوفاكيا (التي نتج عن تفتيها جمهوريتين تحملان الآن إسمي التشيك وسلوفاكيا) ، على سبيل المثال. وينتهي كاتبا المقالين بالاعتراف أن أمريكا تسعى الآن وبكل قوتها إلى تفتيت العراق.
[ انظر: تقسيم العراق هدف أمريكي ـ صهيوني مسبق التحضير ، محمد العبيدي ، موقع هيئة علماء المسلمين ، قسم المقالات 1/9/2005 ] .
لم تكن المفاجأة في إصرار الأكراد على رفع سقف مطالبهم القومية، لتأكيد وترسيخ النزعة الرامية كهدف استراتيجي إلى تحقيق انفصال كامل لإقليم الشمال وتكوين دويلة كردية هناك، حيث بلغت هذه المطالب حدًا غير مسبوق مثل المطالبة بجعل اللغة الكردية لغة رسمية موازية للغة العربية في العراق ككل، وليس في منطقة كردستان فقط، وكذلك المطالبة بوجود تمثيل كردي دبلوماسي مميز داخل السفارات العراقية بالخارج بأسلوب يكرس فكرة (الدولة داخل الدولة) تمهيدا لانتهاز أية فرصة قريبة مثل اندلاع اضطرابات في العراق أو نشوب حرب أهلية للمسارعة إلى إعلان استقلال كردستان، وهو ما تكرس عبر الإصرار على عدم حل الميليشيات المسلحة الكردية (البشمركة) ، حتى بعد الاتجاه إلى بناء جيش وطني اتحادي جديد للعراق بعد جلاء الاحتلال الأميركي.
وهو الأمر الذي يعكس نية مبيتة للانفصال في أية لحظة، وقد جاءت المظاهرات الحاشدة التي تم تنظيمها في الأيام أخيرة في عدة مدن كردية في شمال العراق من قبل الأكراد والمطالبة بوضوح بضرورة انفصال كردستان ومنحها حق تقرير المصير لتحقيق استقلال الأكراد لتؤكد هذه النوازع الانفصالية، وأن الأكراد يركزون كل جهودهم من أجل تكريس فكرة انجاز الطلاق النهائي مع الدولة العراقية.