الإسلام يفرض الوحدة بين البلاد الإسلامية ويحرم الاتحاد بينها ، والنظام الصحيح للحكم هو نظام وحدة ليس غير فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول:"ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"، لدلالة الشرع عليه وتحريم ما سواه ويقول:"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".
فالحديث الأول يقرر تحريم تجزئة الدولة ، ويحث على عدم السماح بتقسيمها ومنع الانفصال عنها ولو بقوة السيف ، والحديث الثاني يقرر تحريم جعل الدولة دولًا فلا يسمح بوجود غير خليفة واحد .
وهكذا فالاتحاد الفيدرالي من حيث الأصل حرام قطعًا فكيف إذا علم أنه يتم وفقًا لمشروع صليبي في المنطقة لخدمة أمريكا وإسرائيل .
فالاتحاد الفيدرالي ليس وحدة خاصيته الاحتفاظ بالكيان ، لأنه في واقع مثل العراق يكون مدعاة للتنازع والاختلاف وما يتبع ذلك من الانشقاقات والتصدعات في البناء الداخلي نظرًا للاختلاف حول سلطات الأقاليم من جهة وتوزيع الثروات مع هذا التباين من جهة أخرى كما سيتم توضيحه في النقاط التالية ..
وأول خطوات النظام الفدرالي انتخاب برلمان اتحادي ، ووضع دستور اتحادي تحدد فيه الشؤون المراد أن تتوحد بين دول الاتحاد أو أقاليمه ، فقد ينص على توحيد التشريع القضائي ، أو على القوانين الإدارية ، أو على السياسة الخارجية أو الاقتصادية، أو توحيد الجيش،وقد ينص على توحيد هذه الأمور كلها أو بعضها أو زيادة عليها وقد ينص على توحيد أجهزة الدولة مع بقاء الكيانات كالولايات المتحدة الأمريكية ، أو ينص على بقاء أجهزة الدولة وتوحيد بعض الشؤون كاتحاد الجمهوريات السوفياتية سابقًا وهكذا يحدد الدستور نوع الاتحاد ويقر هذا الدستور من قبل البرلمان الاتحادي ، ومن برلمان كل دولة أو إقليم من دول أو أقاليم الاتحاد إن كان هناك برلمانات ، فتمارس الدولة الاتحادية الصلاحيات التي حددها الدستور فقط ، وتبقى باقي الصلاحيات لكل دولة أو إقليم على حدة تمارسها كما تريد ، فتبقى كل دولة أو إقليم كيانًا متميزًا محتفظًا بكيانه لا سيما بعد هذه الصلاحيات الإدارية الواسعة التي ضمنها الدستور الجديد محل الخلاف .
هذا هو واقع الاتحاد الفيدرالي ، ولذلك فإلغاء جوازات السفر بين دولتين أو الوحدة الاقتصادية بين دولتين ، أو توحيد مناهج التعليم ، أو توحيد التشريع هذه كلها ليس لها علاقة بالاتحاد الفيدرالي . فقد تحصل بين الدول دون اتحاد فيما بينها . وكذلك ليس من الاتحاد الفيدرالي في شيء أن يقرر البرلمان أو البرلمانات أو المؤتمرات أو المشيخات قيام مثل هذا الاتحاد فيما بينها ، لأن مثل هذا القرار ليس إلاّ مجرد تعبير عن رغبة فقط . والمهم تقرير دستور يحدد نوع الاتحاد ودولته وصلاحياته .
وعليه فإن الشرع الإسلامي لا يجيزه بين المسلمين مطلقًا مهما كان نوع الاتحاد ، لأن نظام الحكم عند المسلمين نظام وحدة ، لا نظام اتحاد . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن السيادة في الإسلام للشرع ، فهو الذي يقرر نظام الحكم والتشريع والمال ، فلا خيار لأحد في تقرير شيء منها ، ثم إن أحكام الشرع واحدة لكل مسلم ، فلا يصح أن يختلف حكم الشرع في بلد عن بلد ، فلا يجوز اختلاف التشريع . ومالية المسلمين واحدة ينفق عليهم من بيت مال المسلمين بغض النظر عما إذا كانت لبلادهم واردات أم لم تكن . والجهاد فرض على المسلمين فيجب أن ينفروا للجهاد إذا غزيت أي بلد من بلدان المسلمين لاسيما إذا عجز أهل ذلك البلد عن القيام بأعباء الدفع والجهاد ، فكيان المسلمين كيان واحد جبرًا ، وتشريعهم وأموالهم وكل شيء يتعلق بالحكم واحد لا يجوز أن يتعدد ، فنظام الحكم ونظام الحياة عندهم نظام وحدة ، لا نظام اتحاد . وعليه فالإسلام يوجب نظام الكيان الواحد ، لا نظام اتحاد الكيانات المتعددة ، وهو يُحرِّم الاتحاد ، ويوجب الوحدة ويوجب الحرب لتحقيقها"."
[ الفيدرالية والكونفدراليه ، موقع إذاعة العقاب ، 9 ايلول 2005م ، بتصرف ] .
هذا رأي فقهي معتبر وهو ينظر إلى الموضوع من حيث الحكم الأصلي ، فان حصل عارض أو ضرورة فمع القول بعدم شرعيتها إلا أن لها ما يقننها في التشريع الإسلامي عملًا بقاعدة (الضرورات) وهي تقدر بقدرها ، ومن هنا لا يجوز لأي جماعة إسلامية أو حزب إسلامي أن يدعو إلى النظام الفيدرالي ابتداءً لما بيناه من الحرمة ، ولكن إن وقع قدرًا فالمسلمون مأمورون حينئذٍ بتخفيف ودفع المفاسد ما أمكن وهذا باب واسعٌ يترك البت به لهيئة علماء المسلمين والمجامع الفقهية في العالم العربي والإسلامي.
فنظام الدولة في الإسلام من حيث الأصل يقوم"على نبذ كل ما من شأنه إضعاف أعمدة وبنيان الدولة والانتماء الوطني ولو بشكل ظاهري بحت."
من هنا لاحت المركزية على أنها نظام الحكم الأمثل بالنسبة للحكام إن لم نقل حتى الذي لا بديل له، لا سيما وأن المركزية تؤدي إلى تسهيل وتفعيل استخدام آليات المراقبة تجاه شعوبهم وفيما يختص بمواجهة أخطار التهديد من الخارج"."
[ النظام الفيدرالي في العالم العربي، عارف حجاج ( ص3 / موقع قنطرة ) ] .
فلو كانت الدولة مركزية قوية سيادية وطبق فيها ( النظام العادل ) الذي يضمن للجميع حقوقه وحرياته ضمن آليات تحول دون الاستبداد والاستئثار بالسلطة على نحوٍ يتعارض مع القواعد الإسلامية ، فان ذلك هو الأمثل والأليق بقواعد الشرع الداعية إلى الوحدة لا الاتحاد !
ثانيًا: ينفرد العراق.. أو ما اصطلح على تسميته بحضارة مابين النهرين . بأنه الأرض الوحيدة في الدنيا , التي احتضنت ست حضارات مشرقة. كلُ حضارةٍ حفرت في أديم الأرض لتاريخها. وصدرت للبشريةِ أعظم العلوم والفكر والقوانين. فالسومريون هم أول من أوجد الكتابةَ وعلم الرياضيات. وخلفهم الأكديون الذين انبهروا بالسماء وما حوته من علوم الفلك. ثم جاء البابليون... وكانت مسلة حمورابي أول تشريعٍ دنيوي يحاكي الدساتير الحديثة، لما جاءت به من قوانين وتشريعاتٍ سبقت كل قوانين الأرض ( الوضعية ) .
وفي عصر نبوخذنصر بنيت الجنائن المعلقة. لتكون شاهدًا على تقدم العراقيين في هندسة البناء والري. ثم تلاهم الكلدانيون فالآشوريون الذين بسطوا سيطرتهم على العالم القديم، فكانوا أول من اخترع العجلةَ، فامتد نفوذهم إلى النيل غربًا وآخر بلاد فارس شرقًا. ويوم اكتسح الاسكندر المقدوني الشرق، احتفى به الفرس وطلبوا منه أن يلتقي بسفراء الدنيا في عاصمة العالم القديم وقتذاك بابل. فاستغرب الاسكندر ان تكون هناك عاصمةٌ للدنيا غيرُ عاصمة بلاده أثينا. وفي بابل دس الفرس السم كعادتهم للإسكندر وقتلوه، حيث تم حرق جسده ونثر رماده في نهر الفرات. ولما وفدت آخر الحضارات إلى العراق... وفي عصر الإسلام وهي الدولة العباسية. حيث أصبحت بغداد آنذاك قبلةُ شعوب الأرض لتكون حاضرة الدنيا, عادة تفد الأجناسُ والملل من مختلف أنحاء العالم إلى المدن الشهيرة والتي يطبق اسمها الآفاق. وهكذا قُدِّرَ أن تسكن أرض العراق أجناسٌ ما زالت باقيةٌ حتى يومنا هذا ، ومنها ما زالت باقيةٌ ولكن بأعدادٍ قد لا تزيد عن الألفين أو ثلاثة آلاف. احتفظت بتركيبتها وحتى بطقوس أديانها. وهذا يفسر كثرة الأعراق والأديان والملل في العراق اليوم.