وبعيدا عن حماية العرب وتدوين لغتهم كان للإسلام الفضل في بقاء اللغة العربية وإحيائها على الألسن عن طريق القرآن والسنة واللذان يتليان يوميا في كل صلاة ودونها , فنرى أهل البلاد التي حافظت على القرآن والسنة لغتهم أقرب إلى الفصحى من بلاد أخرى أنهكها طول الاستعمار.
وبعد أن ذكرنا فضل الإسلام على اللغة العربية نذكر فضله على العرب أنفسهم .فالإسلام وحد العرب وأوجدهم كأمة من عدم وأزال من بينهم العداوة والبغضاء ففتحوا في أربعين سنة ما لم يفتحه الروم في ثمانية قرون وحماهم بسيفه من أي اعتداء ينتج عنه غزو ثقافي أو استئصال ,ورفع من شأن لغتهم فأصبحت لغة عالمية بعد أن كانت إقليمية فقد قال عمر بن الخطاب (العربية مادة الإسلام ) ووسع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مفهوم العربية لتشمل المسلم غير العربي فقال ( ليست العربية من أحدكم بأب ولا أم إنما العربية اللسان فمن تحدث العربية فهو عربي ) وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ,مما قوى من مفهوم العروبة حتى أن أعظم علماء اللغة العربية وهو سيبويه لم يكن عربيا ومعظم العرب الآن أصولهم ليست عربية فمنهم الفارسي والرومي واليوناني والهندي والقبطي و الإغريقي والبربري والإفريقي والكردي والحبشي ,تحدثوا العربية واندمجوا في مجتمع مسلم لا يفرق بين عربي ولا أعجمي إلا على أساس التقوى وشارك في هذه الحضارة علماء مسلمون غير عرب من أعراق شتى وشاركوا في مجالات كثيرة ففي التفسير نجد الزمخشري و في الحديث البخاري ومسلم وفي الفقه نجد أبو حنيفة النعمان وفي الشعر نجد ابن هانئ (أبو نواس) وفي الجغرافيا أبو إسحاق الإصطخري وفي ميدان الجهاد نجد طارق بن زياد وصلاح الدين الأيوبي ونور الدين محمود وقطز . كل هؤلاء شاركوا في الحضارة الإسلامية ودافعوا عنها شأنهم شأن العرب المسلمين ومن هنا كانت قوة هذه الأمة والتي صمدت أمام جميع الاعتداءات شرقية كانت أم غربية , صليبية أو تتارية أو استعمارية , كانت قوتها في الإسلام والوحدة الإسلامية , إن نجاح الحملات الصليبية أو التتارية كان كفيلا بالقضاء على العرب وهويتهم ,ومن المفارقات أن الذين قضوا على هذه الحملات لم يكونوا عربا , فصلاح الدين ونور الدين محمود وقطزكانوا مسلمين من أصول غير عربية , وهذا هو الإسلام لم يفرق بين عربي وغيره ففاتح العراق هو خالد بن الوليد العربي وفاتح الأندلس هو طارق بن زياد البربري و صلاح الدين كردي وكلهم في الدين إخوانا .
وكما قلنا فإن الحضارة الإسلامية ليست عربية فقط بل شاركت فيها أعراق شتى ,فلو إنعزل العرب على أنفسهم كما يريد القوميون العرب فإننا نخلق أمة بلا تاريخ , لأن تاريخنا على مدار أربعة عشر قرنا تاريخ إسلامي مشترك شارك فيه العرب وغيرهم , وحتى العرب شاركوا في هذه الحضارة على أساس ديني, فأين كان العرب قبل الإسلام؟ إن العرب قبل الإسلام كانوا أميين حتى أنهم لم يكتبوا سطرا واحدا في أي علم من العلوم . ود صدق الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال ( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ) ,أم أن القوميين العرب يريدون أن يسرقوا الحضارة الإسلامية وينسبوها إلى العرب فقط .لا لشئ إلا لعلمنة الوحدة وإبعاد الإسلام عن القضية . وضرب الوحدة الإسلامية عن طريق طرح وحدة لا دينية . واستخدام العروبة لأجل هذا الغرض مع أن العرب هم أبناء الإسلام و بدونه لا وجود لهم ,وطرح هذا المفهوم الجديد (الوطن العربي أو الدولة العربية ) في وسائل الإعلام بأسلوب مخادع قد يطرح أحيانا على أنه إسلامي لإلهاء الناس عن الوحدة الإسلامية وعودة الخلافة , وتزوير التاريخ كما في فيلم صلاح الدين والذي رصدت له آنذاك مبالغ جبارة , والذي يطرح القضية على أنها قضية عربية وصلاح الدين على أنه أمير العرب مع أنه كردي , وهكذا نجد في كل كتابات العلمانيين أنهم استبدلوا كلمة إسلامي بعربي.
إن شأن العرب بعد السلام قد اختلف كليا وحتى الدول العربية من المحيط إلى الخليج إنما أسسها المسلمون من كل الأعراق وبمنهج إسلامي , فلو أراد القوميين وطنا عربيا علمانيا فليعودوا إلى صحراء الجزيرة العربية ويرعوا الغنم ويتنازعوا على آبار الماء .
وبعد سقوط الخلافة الإسلامية 1924 اشتعلت نيران المؤامرات الفكرية ,بل قل قبل سقوط الخلافة ,وكانت أشدها فتن القوميات والتي أثارها العلمانيون ,ففي مصر يقولون بأننا فراعنة رغم سخافة هذا القول وفي العراق يدعون إلى البابلية وغيرها من القويات التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنعرات ,وكانت الدعوة إلى القومية العربية محاولة لضرب الوحدة الإسلامية إبعاد الإسلام عن القضية ,وأخذت الأقلام العلمانية تأصل لهذه الفكرة لإلهاء الناس عن الخلافة ,فالإسلام هو الباعث الحقيقي لهذه الأمة وهو المصدر الوحيد لقوتها , ولد أدرك الغرب تماما هذه الحقيقة فعملوا جادين على ضرب الإسلام في مجتمعاتنا وفي قلوبنا وإقصائه عن المعركة . والإسلام هو ما يخشونه في المنطقة ,ومما قاله رئيس وزراء إسرائيل بيجن (لن يتحقق السلام في المنطقة إلا بزوال الإسلام ولن نطمئن على دولتنا إلا بزوال الإسلام ) , ولا يخفى علينا أن ما يعنيه هذا الوقح بالسلام هو سيطرة إسرائيل على المنطقة وتأسيس دولة إسرائيل الكبرى من النيل للفرات والتي يعلقون خريطتها في الكنيست الإسرائيلي رغم كل اتفاقيات الاستسلام التي عقدها معهم الحكام العرب أو بعضهم ,ونشرت جريدة ايديعوت احرنوت منذ حوالي عقدين ( لقد نجحنا وبجهود أصدقائنا في إقصاء الإسلام عن المعركة مدة ثلاثين عاما ) وقال غيرهم نحن لا نخشى خطرا في المنطقة سوى الإسلام .ومن هنا أيضا أبعد الإسلام عن القضية الفلسطينية فيقولون القدس عربية بهدف إرضاء الغزاة أو عن جهل .
ومن المفارقة أن هذه الدعوة وهي القومية العربية لم تنقلب إلى واقع وهذا لأنها مجرد وسيلة فكرية لإبعادنا عن الوحدة الإسلامية وليست غلية في حد ذاتها . فالغرب غايته إما الإقصاء أو التبعية ,وخشية لو سعوا في وحدة عربية علمانية أن تنقلب هذه القوة إلى وحدة إسلامية .
إن القومية بهذا المفهوم إنما هي سم في عسل وتزوير للتاريخ وسرقة لحضارة ليست ملكا للعلمانيين يصبغونها كما يشاءون .
إن الحل هو أن نترك نعرات القوميات سواء كانت عربية أو فارسية أو تركية وأن نتمسك بوحدة الإسلام فكما قال سليمان الفارسي رضي الله عنه والذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمان منا آل البيت ): أبى الإسلامُ لا أبَ لي سواهُ وإن همُ افتخروابقيس أو تميمِ وهذا لا ينافي كون الحضارة الإسلامية عربية المنشأ لسانها عربي ونبيها عربي ولكنها خرجت من حيز العروبة إلى العالمية لتؤدي غرضها كدعوة عالمية مع احتفاظها باللغة كلغة للقرآن وبأصل المنشأ,ومن هنا قد ا البعض بالحضارة العربية الإسلامية على أساس أن العربية لغة الإسلام ودين نبيه وأصل منشأه لا على أساس قومي علماني .
ولذلك فالإسلام يشمل العروبة كعرق وكلغة وأرض بينما لا تشمل العروبة الإسلام , وسليمان الفارسي أفضل لدينا من أبو جهل العربي , والأتراك المسلمون خيرعندنا من الكنعانين وهم عرب كفار.