فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 719

القومية العربية..السم في العسل

كانت العرب قبل الإسلام قبائل متفارقة لا تعرف معنى للوحدة وقد نشأت بينهم العداوة والبغضاء والتعصب القبلي,ولطالما نشأت بينهم الحروب بسبب المياه أو التعصب القبلي ,وبسبب تفرقهم انعدم تأثيرهم على الساحة العالمية آنذاك وكأنهم لا وجود لهم,بينما كانت تبرز قوتان عظيمتان هما الفرس والروم واللذان استعمرا الشرق قرونا عدة.وظل الحال هكذا إلى أن جاء الإسلام فوحد بين القبائل بعد أن أزال ضغائن التعصب والقبلية وأبدلها بأخوة الدين,وحد بينهم باسم الإسلام لا باسم العروبة,فالإسلام دين عام شامل لجميع الناس من عرب وغيرهم,والإسلام لا يقر التعصب والعنصرية ,والقارئون للتاريخ الإسلامي يعلمون أنمن المسلمين الأوائل الذين وقفوا بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة في أقسى أوقات الدعوة من ليسوا بعرب, كسليمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي وعمار بن ياسر رضوان الله عنهم أجمعين.

وانتشر الإسلام على أيدي المسلمين من عرب وفرس وروم وبربر وغيرهم ,فها هو طارق بن زياد فاتح الأندلس بربري ,وصلاح الدين الأيوبي محرر بيت المقدس كردى ,والمماليك الذين قضوا على التتار ليسوا بعرب ,فلا يستطيع أحد أن يدعى أن المسلمين الذين نشروا الإسلام كانوا عربا فقط ,بينما نسبة العرب بين المسلمين هي الخمس,وكثير من العرب الآن أصولهم ليست عربية ,وبالأحرى فإنه من الظلم أن تنسب الحضارة الإسلامية إلى العرب فقط بل إنه تزوير للتاريخ,حتى إن قلنا الحضارة العربية الإسلامية فإن ذلك يعنى اللغة و أصل المنشأ ليس إلا .

فقد كان للإسلام الفضل العظيم على العرب بعد أن وحد بينهم ,قال تعالى: (( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) ).

وهكذا جمع الإسلام المسلمين من أعراق مختلفة تحت راية واحدة هي راية الإسلام . ولكن في عصرنا الحاضر نجد البعض يدعوا إلى دعوة تغير من هويتنا و لا تقبلها حقائق التاريخ وهى القومية العربية وهى وحدة للعرب على أساس قومي أي على أساس العرق لا تشمل غير العرب من مسلمين مع أنها تشمل العرب غير المسلمين .أي وحدة علمانية . متناسيين أن وحدة العرب كانت على أساس الإسلام ,وهذه الفكرة امتداد للفكر العلماني الذي يحاول أن يقصى الدين عن كل مناحي الحياة .ومحاولة لضرب الوحدة الإسلامية الشاملة عن طريق طرح بديل لها ,وقد يعرض هذا البديل أحيانا على أنه إسلامي على سبيل الخداع,وعلى مدار قرن بأكملة نجحت وسائل الإعلام في تلقين الناس لهذه الفكرة .فاستبدلت كلمة الدولة الإسلامية بالوطن العربي خاصة بعد سقوط الخلافة.واستبدلت القضية الإسلامية بالقضية العربية وكلمة الدول الإسلامية بكلمة الدول العربية .

ولقد بدأت فكرة القومية العربية بعد ضعف الخلافة الإسلامية وقبيل سقوطها على أيدي الكتاب المسيحيين الشوام في سوريا في نهاية القرن التاسع عشر وانتقلت إلى مصر وازدادت الدعوة إليها بعد سقوط الخلافة الإسلامية .وهى تختلف عن الفكرة التي دعا إليها عبد الرحمن عزام وأسسها (جامعة الدول العربية ) والتي أخذت الصبغة الدينية ولم يتوانى عبد الرحمن عزام في الدفاع عن دول إسلامية كإندونيسيا وكانت فكرة مبشرة آنذاك ولكنها اشتهرت بعد ذلك بالمواقف المخزية.

ثم تبنى الرئيس جمال عبد الناصر فكرة القومية العربية ودعا لها ومن بعده حزب البعث العربي في سوريا والعراق ,وأرى أن حزب البعث في سوريا والعراق وجمال عبد الناصر في مصر ليسا إلا ظاهرة صوتية تلعب بعواطف الجماهير ثم تغرقها في النهاية كما حدث في 67 .وحزب البعث السوري لم يطلق حتى طلقة لتحرير الجولان بينما يملأ الدنيا ضجيجا ويتفنن في اعتقال وقمع الإسلاميين .

ولا يزال كثير من العلمانيين يدعون إلى الوجه المتطرف لهذه الفكرة وهو وحدة بعيدة عن الإسلام حتى قال أحدهم

(أنا عربي ولست مسلما) .

ونرد على هذه الدعوة المزيفة بعدة حقائق نبين بها فضل الإسلام على العرب و أننا نحن العرب لم ننهض بعروبتنا بل بنسيج الإسلام يضم العرب وغيرهم .ونذكر فضل الإسلام على العرب من كل الجوانب:أولا فضله على لغتهم اللغة العربية وثانيا فضله على العرب أنفسهم.

ولنذكر أولا فضله على اللغة العربية والتي لولا الإسلام لتعذر بقائها إلى الآن أو لربما استحال .بينما بفضل الإسلام ظلت اللغة العالمية لعدة قرون فترجمت إليها العلوم اليونانية والهندية ومن ثم ترجمت إلى اللاتينية .

فاللغة العربية ليست كغيرها من اللغات ولكنها لغة قوية في أسلوبها وألفاظها ,لغة تحكمها الضمة والفتحة ,فتغيير في تشكيل حرف قد يقلب المعنى رأسا على عقب وهى ثرية بالألفاظ والمعاني وهذا الثراء والقوة جعلاها أفضل لغة لترجمة المعاني واحتوائها كاملة من غير إخلال ,ولكن لغة بهذه القوة تحتاج إلى عناية ورعاية تعادل قوتها ,وهذا ما فعله العرب ,فهم قد صنعوا مع لغتهم ما لم يصنعه قوم .فلم يسمع عن أحد سوى العرب أقام أسواقا للكلام واللغة , يعرض فيها الكلام شعرا ونثرا كسوق عكاظ.

لقد كان اهتمام العرب بلغتهم لا يضاهيه اهتمام .ولكن هل كان لهذا الاهتمام أن يدوم لو خاض العرب حروبا مع غيرهم أو قل غزاهم غيرهم من العجم خاصة لو هزموا في هذه الحروب وهو المؤكد .فالحرب شر لابد منه . خاصة أن العرب قبائل متفرقة تحيط بهم مملكتين عظيمتين هما الفرس والروم بالإضافة إلى الحبشة .ففي حالة أي حرب تشنها هذه الممالك لتوسيع رقعتها ونفوذها فإن العرب مغلوبون فيها لا محالة عدة وعتادا ووحدة يملكها العدو ولا يملكونها ,كما أنهم سيفرطون في لغتهم ولن يستطيعوا وهم عبيد أو محتلون أن يرعوا لغتهم أو حتى أن يتكلموا بها .ومن هنا كان الفضل الأول للإسلام على العرب حيث أنه حماهم بسيفه من أي اعتداء , بل أنه حرر الشرق بأكمله من استعمار الفرس والروم استعمار دام أكثر من ثمانية قرون , ووحد القبائل العربية مع بعضها ومع غير العرب تحت راية الإسلام وكونوا لأقوى دولة عرفتها البشرية دولة الخلافة الإسلامية وفتحوا في أربعين سنة ما لم يفتحه الروم في ثمانية قرون ,وكانت لهذه القوة العسكرية الإسلامية الفضل على العرب وعلى لغتهم من الضياع .

ويأتي فضل آخر على اللغة العربية وهو تدوينها , فالعرب قبل الإسلام لم يكتبوا سطرا واحدا في قواعد لغتهم لعدم حاجتهم إلى ذلك مع تمكنهم الشديد منها وعدم احتياجهم إلى قواعد تضبط كلامهم السليم بالسليقة .ولكن ما كان هذا ليدوم خاصة مع اختلاط العرب مع غيرهم من العجم ,ودخول ألفاظ غريبة إلى لغتهم كان لابد من تدوين اللغة العربية وإنشاء علم يضبط الكلام بها ,وهذا ما فعله الخليفة علي بن طالب رضي الله عنه حيث أمره أن يألف علما على نحو مثال وضعه له ,وعندما عرض علي أبو الأسود الدؤلي ما ألفه قال له ما أجمل هذا النحو الذي نحوت .واستمرت جهود العلماء في هذا المجال (علوم اللغة) من نحو وصرف وميزوا اللفظ العربي الأصيل عن غيره من الألفاظ الدخيلة ,ثم وضع عبد القاهر الجرجاني علم البلاغة .وبرزت جهود علماء غير عرب في هذا المضمار .حتى أن سيبويه أعظم علماء اللغة العربية فارسي وكلمة سيبويه فارسية و معناها رائحة التفاح .فبفضل الإسلام اهتم غير العرب باللغة العربية لأنها لغة القرآن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت