والوجه حق عندنا معلوم بأصله متشابه بوصفه, ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف; وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه, فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة.
ـــــــ
قوله:"وكذلك"أي وكإثبات الرؤية إثبات الوجه واليد لله تعالى حق عندنا فبقوله عندنا احترز عن قول من قال لا يوصف الله تعالى سبحانه بالوجه واليد بل المراد من الوجه الرضاء أو الذات ونحوهما ومن اليد القدرة أو النعمة ونحوها فقال الشيخ: بل الله تعالى يوصف بصفة الوجه واليد مع تنزيهه جل جلاله عن الصورة والجارحة; لأن الوجه واليد من صفات الكمال في الشاهد; لأن من لا وجه له أو لا يد يعد ناقصا, وهو تعالى موصوف بصفات الكمال فيوصف بهما أيضا إلا أن إثبات الصورة والجارحة مستحيل, وكذا إثبات الكيفية فتشابه وصفه فيجب تسليمه على اعتقاد الحقية من غير اشتغال بالتأويل, واعلم أن في أمثال ما ذكرنا يتبع اللفظ الذي ورد به النص من الكتاب والسنة فلا يشتق منه الاسم ولا يقال: الله تعالى متوجه إلى فلان بنظر الرحمة أو العناية ولا يبدل بلفظ آخر لا بالعربية ولا بغيرها فلا يبدل لفظ العين بالباصرة ولا لفظ القدم بالرجل ولا يقال بالفارسية أيضا:"جثم خداي وروى خداي ودست خداي"وغير ذلك.
قوله:"ولن يجوز إبطال الأصل"أي لا يجوز الحكم بأن القول الرؤية والوجه واليد باطل بالعجز عن درك الوصف أي الكيفية لما فيه من إبطال المتبوع بالتبع والأصل بالفرع وذلك كمن رأى شخصا على شط نهر عظيم لا يتصور العبور منه بدون سفينة وملاح ثم رأى ذلك الشخص في الجانب الآخر من غير أن يشاهد سفينة وملاحا لا يمكنه أن ينكر عبوره من النهر; وإن لم يدرك كيفية العبور, فكذا فيما نحن فيه لما ثبت بالدلائل القاطعة جواز الرؤية وصفة الوجه واليد لله سبحانه لا يجوز إنكارها بالعجز عن درك أوصافها والجهل بطريق ثبوتها, فإنهم ردوا الأصول يجوز أن يكون معناه ردوا أصل الرؤية والوجه واليد لجهلهم بالصفات اللام في الصفات بدل المضاف إليه أي بكيفياتها. ويجوز أن يكون معناه ردوا الأصول أي الصفات جمع بأن قالوا ليس له صفة العلم والقدرة والحياة وغيرها لجهلهم بالصفات أي بكيفية ثبوتها بأن اشتبه عليهم طريقه وذلك; لأن الصانع القديم واحد لا شريك له والصفات لو ثبتت لكانت غير الذات لا محالة; لأن الصفة إذا لم تكن هي الذات فهي غير الذات لا محالة كزيد لما لم يكن عمرا كان غير عمر ولا محالة والقول بإثبات الأشياء المتغايرة في الأزل مناف للتوحيد ومن هذا سموا أنفسهم أهل التوحيد ولم يعلموا أنهم أبطلوا توحيدهم بتوحيدهم, ويدل على هذا الوجه قوله فصاروا