الصريح لا عام لا بموجبه.والأصل في الكلام هو الصريح وأما الكناية ففيها قصور من حيث يقصر عن البيان إلا بالنية, والبيان بالكلام هو المراد فظهر هذا التفاوت فيما يدرأ بالشبهات وصار جنس الكنايات بمنزلة الضرورات, ولهذا قلنا:
ـــــــ
جزيلا فلا يقع الطلاق بدون النية فإذا نوى صار كأنه قال أنت تطليقة واحدة ولو قال هكذا ونوى طلاقا صح فإنها بنفسها لا يكون تطليقة ولكن يكون طالقا تطليقة فيصير تطليقة قائمة مقام طالق فتنعت نعته, كذا في الأسرار والمبسوط. ورأيت في التهذيب لمحبي السنة من أصحاب الشافعي ولو قال لها أنت واحدة ونوى الطلاق ثنتين أو ثلاثا فيه وجهان. أحدهما لا يقع, إلا واحدة; لأن منويه خلاف ملفوظه والطلاق يقع باللفظ ومراعاة اللفظ أولى. والثاني وهو الأصح يقع ما نوى ومعنى واحدة أي تتوحدين مني بهذا العدد فكان ما ذكره أصحابنا غير مأخوذ عندهم. وعن بعض مشايخنا رحمهم الله أنه إذا رفع الواحدة لا تطلق وإن نوى; لأنها ولا تصلح نعتا للطلقة فيصير خبر المبتدأ وإن نصبها تطلق من غير نية; لأنها حينئذ لا يصلح نعتا, إلا للطلقة وإن أسكن الهاء فحينئذ يحتاج إلى النية. والمختار أن حكم الكل واحد في الاحتياج إلى النية; لأن العوام لا يميزون بين وجوه الإعراب كان دلالة يعني إذا نوى به الطلاق كان هذا اللفظ دالا على صريح الطلاق بالطريق الذي ذكرنا فكان معقبا للرجعة لا عاملا بموجبه إذ موجبه التوحيد, ولا أثر لذلك في البينونة وقطع النكاح بخلاف البائن ونحوه فإنه مؤثر بموجبه على ما بينا.
قوله"والأصل في الكلام هو الصريح"لأن الكلام موضوع للإفهام والصريح هو التام في هذا المقصود وصار جنس الكناية بمنزلة الضرورات يعني لما كان المقصود هو الإفهام من الكلام وذلك يحصل بالصريح لا يلتفت إلى غيره لقصوره في هذا المعنى, إلا عند الضرورة وهي عدم الصريح. ولهذا أي ولأن في الكناية قصورا عن البيان قلنا: إن حد القذف لا يجب إلا بتصريح النسبة إلى الزنا بأن قال: زنيت أو أنت زان. وكذا في الإقرار على نفسه ببعض الأسباب الموجبة للحد لا يستوجب العقوبة ما لم يذكر اللفظ الصريح فإذا قال جامعت فلانة أو واقعتها أو وطئتها لا يحد ما لم يقل نكتها. وكذا لو قال لامرأة جامعك فلان جماعا حراما, أو قال لرجل فجرت لفلانة أو جامعتها لا يجب عليه حد القذف; لأنه ما صرح بالقذف بالزنا. لم يحد المصدق عندنا وقال زفر رحمه الله: يحد; لأن معنى قوله صدقت أنه زان فيكون قاذفا له كما إذا قال له هو كما قلت. ولكنا نقول: إنه ما صرح بنسبته إلى الزنا فلا يحد وذلك لأنه إنما يلفظ بما هو شبيه بالكناية عن القذف لاحتمال التصديق وجوها مختلفة أي كنت صادقا فيما مضى فكيف تكلمت بهذه الكلمة القبيحة أو صدقت في إنجاز وعدك بنسبته إلى الزنا, ويحتمل السخرية والاستهزاء أيضا وإن كان باعتبار الظاهر يفهم منه تصديقه في نسبته إلى الزنا ولكن الظاهر لا يكفي