فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 2201

مجازا للمجاورة التي بينهما قال الله تعالى {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} "البلد: 17" {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} "بونس: 46"ولهذا قلنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر يمينه"إنه يحمل على حقيقته لأن العمل به

ـــــــ

مستعارا له للواو احترازا عن الإلغاء للمجاورة أي للاتصال الذي بينهما في معنى العطف فالواو لمطلق العطف وثم لعطف مقيد والمطلق داخل في المقيد فيثبت بينهما اتصال معنوي فيجوز أن يستعمل بمعنى الواو قال الله تعالى {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي وكان لتعذر العمل بحقيقة ثم إذ الإيمان هو الأصل المقدم الذي يبتنى عليه سائر الأعمال الصالحة وهو شرط صحتها فلا يكون فك الرقبة والإطعام معتبرين قبله كالصلاة قبل الطهارة فعرفنا أنه بمعنى الواو وذكر صاحب الكشاف في مثل هذا الموضع أن كلمة التراخي لبيان تباين المنزلتين كما أنها لبيان تباين الوقتين في جاءني زيد ثم عمرو. وقال في هذه الآية جاء بثم لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره وذكر في التيسير أنها لترتيب الإخبار لا لترتيب الوجود أي ثم أخبركم أن هذا لمن كان مؤمنا وقال الله تعالى {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} قد تعذر العمل بحقيقة ثم لأنه تعالى شهيد على ما يفعلون قبل رجوعهم إليه كما هو شهيد بعد ذلك فكان بمعنى الواو كما في قول الشاعر:

إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده

قال صاحب الكشاف المراد من الشهادة مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب كأنه تعالى قال ثم الله يعاقب على ما يفعلون وقال ويجوز أن يراد أن الله مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم شاهدة عليهم

قوله"ولهذا قلنا"أي ولوجوب العمل بالحقيقة عند الإمكان ووجوب المصير إلى المجاز عند التعذر قلنا كذا. ولجواز استعارة ثم للواو قلنا كذا إذا عجل الكفارة بالمال قبل الحنث لا يجوز عندنا وقال الشافعي رحمه الله يجوز لقوله عليه السلام:"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر يمينه ثم ليأت الذي هو خير1"شرع الكفارة قبل الحنث وما روي في رواية أخرى:"فليأت الذي هو خير ثم ليكفر يمينه"محمول على الوجوب وهذا على الجواز ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من حلف على يمين فرأى"

ـــــــ

1 أخرجه مسلم في الأيمان حديث رقم 1650والترمذي في الأيمان حديث رقم 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت