فلم يكن له بد من أن يكون لفظه وضع له لأن الألفاظ لا يقصر عن المعاني أبدا ألا ترى أن من أراد أن يعتق عبيده كان السبيل فيه أن يعمهم فيقول عبيدي أحرار والاحتجاج بالعموم من السلف متوارث وقد احتج ابن مسعود رضي
ـــــــ
قوله:"ألا ترى"متصل بقوله عرفا يعني الدليل على أنه مقصود بين الناس عرفا أن:"من أراد أن يعتق جميع عبيده جملة يقول عبيدي أحرار"ولا سبيل له إلى تحصيل هذا المقصود إلا بالتعميم فمن جعل موجبه التوقف فإنه يسد على المتكلم باب تحصيل مقصوده في العموم باستعمال صيغته إليه أشار شمس الأئمة رحمه الله.
واعترضوا على هذا الدليل فقالوا هذا قياس أو استدلال واللغة ثبتت توقيفا ونقلا لا قياسا وإن سلم أن ذلك واجب في الحكمة لا نسلم عصمة واضعي اللغة حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعها ألا ترى أن العرب قد عقلت الماضي والمستقبل والحال ثم لم تضع للحال لفظا خاصا حتى لزم استعمال المستقبل فيها وكما عقلت الألوان عقلت الروائح ثم لم تضع للروائح أسامي حتى لزم تعريفها بالإضافة فيقال ريح المسك وريح العود ولا يقال لون الدم ولون الزعفران بل يقال أحمر أو أصفر. ولئن سلمنا أنهم وضعوا للعموم لفظا لا نسلم أنهم وضعوا فيه لفظا خاصا يدل عليه فقط فإن العين موضوع للباصرة ولكن بصفة الاشتراك بين أشياء لأنهم استعملوه في غير الباصرة فكذلك صيغ العموم مشتركة بين العموم والخصوص.
وأما بيان الثاني وهو العمدة في الباب فهو أن الاحتجاج بالعموم أي بالعام عن السلف وهم الصحابة ومن بعدهم من أئمة الدين متوارث أي ثابت فقد اختلف علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما في المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا فقال علي رضي الله عنه إنها تعتد بأبعد الأجلين لأن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ} [البقرة: 234] أي وأزواج الذين: {يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 234] أي يستوفى أزواجهم: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] أي يعتددن هذه المدة وقيل عشرا ذهابا إلى الليالي والأيام داخلة معها يقتضي أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر وقوله عز اسمه: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] أي ذوات الحمل من النساء: {أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] أي عدتهن وضع حملهن يقتضي أنها تعتد بوضع الحمل والتاريخ غير معلوم فوجب القول بأبعد الأجلين احتياطا.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إنها تعتد بوضع الحمل لا غير لأن قوله تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ} [الطلاق: 4] متأخر في النزول عن قوله عز اسمه: وَالَّذِينَ