مع وقوع النهي عليه فأما ما هو حرام غير مشروع تعلق به جزاء زاجر عنه فيعتمد حرمة سببه كالقصاص ليس بحكم مطلوب بسبب مشروع بل جزاء شرع زاجرا فاعتمد حرمة سببه.
ـــــــ
حكما ولا يتم الاستيلاء فلا يصلح سببا للملك بالاتفاق للنهي أيضا أي لكونه منهيا عنه شرعا كالسفر وذلك لأنه استيلاء على مال معصوم محترم فيكون حراما منهيا عنه خصوصا على أصله أن الكفار مخاطبون بالشرائع أجمع وعلى أصل بعض مشايخنا أنهم مخاطبون بالحرمات والمناهي وإذا كان كذلك لا يصلح سببا للملك الذي هو نعمة كاستيلائهم على رقابنا وكاستيلاء المسلم على هذا المال ويرد ما قلنا في مسألتي الزنا والغصب في هاتين المسألتين أيضا.
قوله:"ولا يلزم"أي على هذا الأصل الظهار فإنه منهي عنه محظور. وقد انعقد سببا للكفارة التي هي عبادة ولم ينعدم بالنهي لأن كلامنا في النهي الوارد عن التصرف الموضوع لحكم مطلوب شرعا والظهار ليس بتصرف موضوع لحكم مطلوب شرعا بل هو حرام فإنه منكر من القول وزور والكفارة إنما وجبت جزاء لتلك الجريمة وثبوت وصف الخطر في السبب للجزاء لا يخرج السبب من أن يكون صالحا لإيجاب الجزاء بل يحققه كما في القتل العمد فإنه محظور محض ومع ذلك أوجب القصاص وثبوت وصف الحظر فيه لم يخرجه من أن يكون صالحا لإيجابه فكذا في الظهار ولنا ما احتج به محمد في كتاب الطلاق في باب الرد على من قال إذا طلق لغير السنة لا يقع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم النحر1 فقال أنهانا عما يكون أو لا يكون والنهي عما لا يكون لغو لا يقال للأعمى لا تبصر وللآدمي لا تطر. وبيانه أن الله تعالى ابتلى عباده بالأمر والنهي بناء على اختيارهم فمن أطاعه بالائتمار بما أمر والانتهاء عما نهى باختياره نال الجنة بفضله ومن عصاه بترك الائتمار والانتهاء استحق النار بعدله والابتلاء بالنهي إنما يتحقق إذا كان المنهي عنه متصور الوجود بحيث لو أقدم عليه يوجد حتى يبقى العبد مبتلى بين أن يقدم على الفعل فيعاقب أو يكف عنه فيثاب بامتناعه مختارا عن تحقيق الفعل للنهي فيكون عدم الفعل مضافا إلى كسبه واختياره هذا موجب حقيقة النهي وأما النسخ فلبيان أن الفعل لم يبق متصور الوجود شرعا كالتوجه إلى بيت المقدس وحل الأخوات لم يبق مشروعا أصلا وصار باطلا شرعا فامتناع العبد عن ذلك بناء على عدمه في نفسه لا تعلق
ـــــــ
1 أخرجه البخاري في الصوم 3/56 ومسلم في الصيام حديث رقم 1138 و827 وأبو داود الصوم حديث رقم 2416 والترمذي في الصوم حديث رقم 772 وابن ماجه في الصيام حديث رقم 1721.