الشافعي رحمه الله لما وجب التعيين شرطا بالإجماع وجب من أوله لأن أول أجزائه فعل مفتقر إلى العزيمة فإذا تراخى بطل فإذا اعترضت العزيمة من بعد لم
ـــــــ
لا يبقى فيه لغيره شركة ولهذا كانت العبادة مشروعة بخلاف هوى النفس لأنها لو كانت على موافقة الهوى لتسارع إليها المكلفون لما فيها من داعية الهوى واستلذاذ النفس لذلك فيتحقق فيها الشركة فيزول معنى الإخلاص فكانت العبادة اسما للفعل لا لعينه بل لوجود فعل آخر من الفاعل وهو الإخلاص وهو يحصل بالنية وهي أن يقصد بقلبه توجيه فعله إلى الله تعالى وحده فإذا وجد القصد ههنا كان الإمساك عبادة فبعد ذلك اتسامه بسمة الفرضية لن يتعلق بفعل يوجد من العبد بل يتعلق بوجود الإلزام من الله تعالى على طريق ظهر ثبوته بيقين وقد تحقق ذلك في هذا اليوم بعينه فتتسم هذه العبادة بهذه السمة شاء العبد أو لم يشأ كالمولود إذا ولد وقد كانت أمه ولدت قبله آخر يتسم هذا بسمة الأخوة لوجود من يقابله. فكذا هذا غير أن من نوى نفلا أو واجبا آخر ظن أن لا أمر بتحصيل عبادة الصوم في هذا اليوم وأن العبادة وإن حصلت وحصل الإمساك لله تعالى لم يتسم بسمة الفرض لزوال الأمر بالإمساك المعين في هذا اليوم وهذا الظن منه فاسد كما ظن أن هذا المولود لا يسمى أخا لأن أمه ما ولدت قبله وقد كانت ولدت كان الظن باطلا والإثم ثابتا كذا هذا.
قال وعن هذا قال بعض مشايخنا إن هذه المسألة مصورة في اليوم الأول من شهر رمضان إذا شك إنسان فيه وشرع بهذه النيات ثم تبين أن هذا اليوم من شهر رمضان حتى يكون هذا الظن معفوا فأما لو وجد في غيره من الأيام فيخشى عليه الكفر لأنه ظن أن لا أمر بالإمساك في هذا اليوم المعين بتعيين الله تعالى للإمساك ومثل هذا الظن يخشى منه الكفر ثم قال في آخر هذه المسألة ومن وقف على ما ذكرنا عرف جيد الخصوم عن سنن الصواب بتعلقهم في المسألة بقوله عليه السلام:"الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"فإنا سلمنا أن العمل لن يصير عبادة بدون النية لكن وجدت النية في المتنازع فيه وإنما الخصم هو الذي ترك العمل بالجبر حيث أخرج عمله المقرون بالإخلاص عن أن يكون عبادة وكذا قوله عليه السلام:"ولكل امرئ ما نوى"يقتضي جواز الصوم لوجود النية ثم يكون الصوم فرض الوقت لوجود الإلزام من الله تعالى على وجه توقف عليه بطريق لا شبهة فيه والله أعلم.
قوله:"لما وجب التعيين شرطا بالإجماع"أي وجب تعيين مشروع الوقت باتفاق بيننا أما بتعيين الوصف كما قلت أو بتعيين الأصل كما قلتم وجب أن يشترط من أوله