رخص له الترك قضاء لحقه وتخفيفا عليه فلما أساغ له الترخص بما يرجع إلى مصالح بدنه ففيما يرجع إلى مصالح دينه وهو قضاء ما عليه من الدين أولى وصار كونه ناسخا لغيره متعلقا بإعراضه عن جهة الرخصة وتمسكه بالعزيمة
ـــــــ
كالشهر في حق المقيم فلا يجوز الأداء قبله وقال صلى الله عليه وسلم:"الصائم في السفر كالمفطر في الحضر"1 وقال:"ليس من البر الصيام في السفر"2 وتمسك الجمهور بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وهذا يعم المسافر والمقيم ثم قوله عز ذكره: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 185] لبيان الترخص بالفطر فينفى به وجوب الأداء لا جوازه وفي حديث أنس رضي الله عنه قال سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر لا يعيب البعض على البعض3 والأخبار في هذا كثيرة وتأويل حديثهم إذا كان يجهده الصوم حتى يخاف عليه الهلاك على ما روي أنه عليه السلام مر برجل مغشي عليه قد اجتمع عليه الناس وقد ظلل عليه فسأل عن حاله فقيل إنه صائم فقال:"ليس من البر الصيام في السفر"يعني لمن هذا حاله كذا في المبسوط.
قوله:"بلا توقف"احتراز عن أداء الصلاة في أول الوقت على قول بعض مشايخنا العراقيين فإنه موقوف على ما يظهر من حال المؤدي في آخر الوقت عندهم لأن السبب هو الجزء الأخير عندهم واحتراز عن أداء الزكاة في أول الحول فإنه موقوف على كمال النصاب في آخر الحول حتى لو هلك النصاب كان له أن يسترد من الساعي إن كان قائما لأن أصل السبب وإن وجد في أول الحول إلا أن وصفه وهو النماء لم يوجد. فلو وجد أصل السبب قلنا بالجواز ولفوات وصفه قلنا بالتوقف وههنا السبب وهو شهود الشهر ثابت في حق الجميع بصفة الكمال فيصح الأداء بلا توقف كأداء الحج من الفقير لكمال سببه وهو البيت ويجوز أن يكون معناه بلا تردد وشك.
قوله:"وصار كونه ناسخا لغيره"جواب عن قولهما إن شرع الصوم لما ثبت في حقه لم يبق غيره مشروعا أي صار كون صوم رمضان ناسخا لغيره من الصيامات متعلقا بإعراضه عن الرخصة وتمسكه بالعزيمة
ـــــــ
1 أخرجه ابن ماجه في الصيام حديث رقم 1666.
2 أخرجه البخاري في الصوم 3/44 ومسلم في الصيام حديث رقم 1115 وأبو داود في الصيام حديث رقم 2407 وابن ماجه في الصيام حديث رقم 1665 والإمام أحمد في المسند 3/299.
3 أخرجه البخاري في الصوم 3/44 ومسلم في الصيام رقم 1118 والإمام مالك في الموطأ 1/295 أبو داود في الصوم حديث رقم 2405 والإمام أحمد في المسند 3/45.