شغل كل الوقت بالأداء فإذا شغله بالأداء جاز وإن اتصل به الفساد; لأن ما يتصل من الفساد بالبناء جعل عفوا; لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر وقد روى هشام عن محمد رحمه الله فيمن قام إلى الخامسة في العصر أنه يستحب له الإتمام; لأنه من غير قصده ثبت فإذا اتصل به الفساد صار في الحكم عفوا فصار بمنزلة المؤدى في وقت الصحة بخلاف حالة الابتداء; لأنه بقصده ثبت الفساد إذ الاحتراز عنه ممكن بأن يختار وقتا لا فساد فيه.
وأما إذا خلا الوقت عن الأداء أصلا فقد ذهب الضرورة الداعية عن الكل
ـــــــ
وأثبتت له ولاية شغل الكل بالأداء وهو العزيمة; لأن الأصل أن يكون العبد مشغولا بخدمة ربه في جميع الأوقات إلا أن الله تعالى جعل للعبد ولاية صرف بعض الأوقات إلى حوائج نفسه رخصة فثبتت أن شغل كل الوقت بالعبادة هو العزيمة, ولهذا جعلنا الوقت في حق صاحب العذر مقام الأداء لحاجته إلى شغل الوقت بالأداء ولا يمكنه الأقبال على العزيمة ههنا إلا بأن يقع بعض الأداء في الوقت الناقص فيصير ذلك البعض ناقصا ولما لم يمكن الاحتراز عنه سقط اعتباره; لأنه حصل حكما لا قصدا فإنه بناء على الأول كما قال محمد في النوادر إن من شرع في الخامسة بعدما قعد قدر التشهد في صلاة العصر فإنه يضيف إليها ركعة أخرى ويكون الركعتان تطوعا ومعلوم أن التطوع بعد العصر مكروه ولكن لما كانت بناء على الأول وقد حصل حكما لا قصدا لم يعتبر حتى لم تثبت صفة الكراهة كذا هذا كذا ذكره أبو اليسر رحمه الله. وذكر القاضي الإمام علاء الدين المعروف بالغني في مختلفاته أنه السبب إنما هو الجزء القائم من الوقت لا جملة الوقت ونعني بالجزء القائم أنه لو أخر ينتقل السببية جزءا فجزءا إلى آخر الوقت وعلى هذا الحرف يخرج الفرق بين صلاة الفجر والعصر فإن الفجر يفسد بطلوع الشمس في خلاله والعصر لا يفسد بالغروب, ثم قال وظن كثير من فقهائنا أنا نعني بالجزء القائم الجزء الذي هو قبيل الشروع وليس كذلك فإنه لو شرع في العصر في الوقت المستحب وطول القراءة حتى دخل الوقت المكروه يجوز ولو جعل الوجوب مضافا إلى الجزء الذي هو قبيل الشروع لكان لا يجوز; لأن السبب كامل بل نقول بعد الشروع كل جزء إلى آخر الصلاة سبب لوجوب الجزء الذي يلاقيه ومحل لأدائه إلا أن يخرج الوقت فيتقرر السببية على الجزء الأخير إن كان شرع فيها في آخر الوقت.
قوله:"وأما إذا خلا الوقت يجوز أن يكون"جواب سؤال وهو أن يقال لما انتقلت السببية إلى الجزء الأخير لزم أن يجوز الأداء في الأوقات الناقصة إذا كان الجزء الأخير ناقصا