ثم حدثت الأهلية لما وجب عليه القضاء إلى آخره فاسد أيضا; لأنا بينا بالدليل أن هذا محال والاشتغال بإثبات المستحيل بما يتحايل أنه دليل ضرب من السفه, على أن الشرع أوجب على من مضى عليه الوقت وهو مغمى عليه أو نائم بعد زوال العذر ما كان يوجبه في الوقت لولا العذر وفي باب الصبا والكفر ما فعل هكذا والأمر لصاحب الشرع يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال ولا نقول يتحقق وجوب أصل الصوم في حق المسافر والمريض وتأخر وجوب الأداء لما بينا أنه محال بل نقول إن هناك أوجب الله تعالى الصوم على العبد معلقا باختياره الوقت تخفيفا منه على عباده ومرحمة عليهم فإن اختيار الأداء في الشهر كان الصوم واجبا فيه وإن أخر إلى حالتي الصحة والإقامة لم يكن الصوم واجبا عليه بل كان واجبا بعد الصحة والإقامة حتى أنه لو لم يدرك عدة من أيام أخر بأن مات من مرضه أو في سفره يلقى الله تعالى ولا شيء عليه ولو أدرك بعض الأيام دون البعض وجب عليه بقدر ما أدرك فأما أن يقول بوجوب الأصل دون وجوب الأداء فكلا, وهذا كله بخلاف الزكاة وسائر الواجبات المالية فإن هناك الواجب هو المال والأداء فعل في ذلك فيجب عند تحقق الأسباب الأموال في ذمم الصبيان وجعل ذلك شرعا كما لو وضع عند الصبي مال معين فيجب على الولي أداء ما وضع في ذمة الصبي من المال وتفريغها عنه كما لو وضع في بيت الصبي مال وهذا لا يمكن تصويره في الأفعال.
هذا كلامه أوردته بلفظه وحاصله منع المغايرة بين الوجوب ووجوب الأداء ودعوى استحالتها في الواجب البدني.
والجواب أن الأمر ليس على ما زعم فإنا وإن سلمنا أن الصوم أو الصلاة هو الفعل وأداء الصوم هو الفعل أيضا لكنا لا نسلم أنهما واحد. وبيانه أن لكل شيء من الأجسام والأعراض وجودا في الذهن ويدرك ذلك بالعقل ويسمى ماهية ووجودا في الخارج ويدرك ذلك بالحس فنفس الوجوب عبارة عن اشتغال الذمة بوجوب الفعل الذهني ووجوب الأداء عبارة عن وجوب إخراج ذلك الفعل من العدم إلى الوجود الخارجي ولا شك أن إخراجه من العدم إلى الوجود غير ذلك التصور الموجود في الذهن وإن كان مطابقا له ولهذا لا يتبدل ذلك التصور بتبدل الوجود الخارجي بالعدم بل هو باق على حاله. والبدني كالمالي بلا فرق فإن أصل الوجوب في المال عبارة عن لزوم مال متصور في الذمة, ولزوم الأداء عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود الخارجي إلا أنه لما لم يكن في وسعه ذلك أقيم مال آخر من جنسه مقام ذلك المال الواجب في حق صحة الأداء والخروج عن العهدة وجعل كأنه ذلك المال الواجب وهذا معنى قولهم الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها فثبت بما ذكرنا أن المغايرة بينهما ثابتة من غير استحالة والله أعلم.