ولهذا قلنا: إن ما لا يعقل مثله يسقط كمن نقص صلواته في أركانها بتغيير ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما فيمن أدى في الزكاة خمسة دراهم زيوفا عن خمسة جياد أنه يجوز ولا يضمن شيئا; لأن الجودة لا
ـــــــ
كذا في الجوامع الجمادية. قيل وفي حديث الخثعمية دليل على أن أباها كان أمرها بالحج حيث قاس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبول الحج بالأداء من الغير بقبول الدين بالأداء من الغير وإنما يجب ويتحقق قبول الدين بالأداء من الغير إذا كان ذلك الأداء بأمر المديون; لأن رب الدين إن امتنع فيه عن القبول يجبر عليه فأما إذا كان بغير أمر منه فرب الدين بالخيار في القبول فلا يتحقق القبول فهذا يدل على أن ذلك كان بالأمر. والظاهر أنه عليه السلام قاس على العادة الفاشية بين الناس أنهم يقبلون ديونهم من أي وجه تصل إليهم من المديون أو غيره تبرعا أو غير تبرع نظرا منهم إلى حصول المقصود وهذا لا يدل على الأمر بوجه قوله:"ولهذا قلنا"متصل بما اتصل به الاستدراك في قوله ولكنا جوزناه بالنص أي ولعدم تصرف الرأي فيما لا ندركه قلنا إن ما لا يدرك بالعقل مثله ولم يرد فيه نص يسقط; لأن إيجاب المثل متوقف إما على إدراك العقل ليمكن إيجابه بالسبب الأول أو على السمع, فإذا لم يوجد واحد منهما فلا وجه إلا الإسقاط كترك الاعتدال في أركان الصلاة لا يضمن بشيء سوى الإثم; لأنه ليس لذلك الوصف منفردا عن الأصل مثل عقلا ولا نصا. وقوله يتغير احتراز عن نقصان الركن نفسه من الصلاة فإن قوله نقص الصلاة في أركانها يحتمل ذلك.
قوله:"ولهذا"أي ولما ذكرنا أن ما لا يعقل مثله ولا نص فيه يسقط قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله إذا أدى خمسة زيوفا في الزكاة مكان خمسة جياد يجوز أن يسقط عنه الواجب ولكنه يكره لقوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] , الآية ولا يضمن شيئا بمقابلة الجودة; لأن المؤدى قد صح ولزم حتى لا يملك أحدهما الفسخ لصيرورته صدقة وليس للوصف الذي تحقق فيه الفوات منفردا مثل صورة وهو ظاهر ولا معنى; لأنها لا تتقوم عند المقابلة بجنسها فيسقط أصلا.
ألا ترى أنه لو أدى أربعة جيادا عن خمسة زيوف لا يصح إلا عن أربعة عندنا خلافا لزفر رحمه الله. وكذا لو كان له إبريق فضة وزنه مائة وخمسون وقيمته لصياغته مائتان وقد حال عليه الحول لا تجب فيه الزكاة لسقوط اعتبار الجودة في هذه الأموال عند المقابلة بجنسها, ولا معنى لقوله من قال سقوط اعتبار الجودة للربا ولا ربا بين العبد وسيده; لأنا نقول إن الله تعالى عامل عباده معاملة المكاتبين أو الأحرار فإنه تعالى استقرضهم