لم يترك إلا بالضرورة وانسداد باب الرأي ووجه ذلك أن ضبط حديث النبي عليه السلام عظيم الخطر وقد كان النقل بالمعنى مستفيضا فيهم فإذا قصر فقه الراوي عن درك معاني حديث النبي عليه السلام وإحاطتها لم يؤمن من أن يذهب عليه شيء من معانيه بنقله فيدخله شبهة زائدة يخلو عنها القياس فيحتاط في مثله وإنما نعني بما قلنا قصورا عند المقابلة بفقه الحديث فأما الازدراء بهم فمعاذ
ـــــــ
خبر المجهول فإنه إن كان موافقا لقياس مخالفا لآخر جاز تركه والعمل بالقياس المخالف كذا ذكر في بعض فوائد هذا الكتاب. وقوله وانسداد باب الرأي تفسير للضرورة وفي قوله لم يترك إلا بالضرورة لطف ورعاية أدب كما ترى ووجه ذلك أي وجه عدم القبول عند انسداد باب الرأي أن ضبط حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم الخطر; لأنه عليه السلام قد أوتي جوامع الكلم واختصر له اختصارا كما أخبر عن ذلك, والوقوف على كل معنى ضمنه في كلامه أمر عظيم; ولهذا قلت رواية الكبار من الصحابة رضي الله عنهم, ألا ترى إلى ما روي عن عمرو بن ميمون أنه قال صحبت ابن مسعود رضي الله عنه سنين ما سمعته يروي حديثا إلا مرة واحدة فإنه قال سمعت رسول الله عليه السلام ثم أخذه البهر والفرق وجعلت فرائصه ترتعد فقال نحو هذا أو قريبا منه أو كلاما هذا معناه سمعت رسول الله عليه السلام يقول كذا1 وقد كان نقل الحديث بالمعنى مستفيضا فيهم على ما جاء في كثير من الأخبار أمر النبي عليه السلام بكذا ونهى عن كذا ولما ظهر ذلك منهم احتمل أن هذا الراوي نقل معنى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبارة لا تنتظم المعاني التي انتظمها عبارة الرسول عليه السلام لقصور فقهه عن دركها إذ النقل لا يتحقق إلا بقدر فهم المعنى فيدخل هذا الخبر شبهة زائدة تخلو عنها القياس فإن الشبهة في القياس ليست إلا في الوصف الذي هو أصل القياس وهاهنا تمكنت شبهة في متن الخبر بعدما تمكنت شبهة في الاتصال فكان فيه شبهتان وفي القياس شبهة واحدة فيحتاط في مثل هذا الخبر بترجيح ما هو أقل شبهة وهو القياس عليه;
ولهذا قال أصحابنا لا يجوز للقاضي نقل عبارة الشهود إلى عبارة نفسه إذا لم يكن فقيها لاحتمال الزيادة في محل النقصان أو النقصان في محل الزيادة. ثم هذا الكلام لما أوهم أنه ازدرى ببعض الصحابة وطعن فيهم بالغلط وعدم الفهم كما ترى اعتذر عنه بقوله; وإنما نعني بما قلنا من قصور فقه الراوي قصورا عند المقابلة بفقه الحديث أي عند المقابلة بما هو فقه لفظ النبي عليه السلام فإما أن نعني به الازدراء أي الاستخفاف بهم فمعاذ الله عن ذلك فإن محمدا حكى عن أبي حنيفة رحمهما الله
ـــــــ
1 أخرجه ابن ماجة في المقدمة حدبث رقم 23.