و أعجب من ذلك أنها تضاهي ما يحبه اللّه ورسوله من الصفات والأخلاق والأفعال بما يبغضه منها، وتلبس على العبد أحد الأمرين بالآخر، ولا يخلص من هذا إلا أرباب البصائر، فإن الأفعال تصدر عن الإرادات وتظهر على الأركان من النفسي الأمّارة والمطمئنة ليتباين الفعلان في الباطن، ويشتبهان في الظاهر، ولذلك أمثلة كثيرة منها المداراة والمداهنة فالأول من المطمئنة والثاني من الأمّارة، وخشوع الإيمان وخشوع النفاق، وشرف النفس والنيّة والحمية والجفاء، والتواضع والمهانة، والقوة في أمر اللّه والعلو في الأرض والحمية للّه والغضب له والحمية للنفس والغضب لها، والجود والسرف، والمهابة والكبر، والصيانة والتكبر، والشجاعة والجرأة، والحزم والجبن والاقتصاد والشح، والاحتراز وسوء الظن، والفراسة والظن، والنصيحة والغيبة، والهدية والرشوة، والصبر والقسوة، والعفو والذل، وسلامة القلب والبله والغفلة، والثقة، والغرة والرجاء والتمني، والتحدث بنعم اللّه والفخر بها، ومرح القلب وفرح النفس. ورقة القلب والجزع، والموجدة والحقد، والمنافسة والحسد، وحب الرئاسة وحب الإمامة والدعوة إلى اللّه، والحب للّه والحب مع اللّه، والتوكل والعجز، والاحتياط والوسوسة، وإلهام الملك، وإلهام الشيطان، والإناة والتسويف، والاقتصاد والتقصير، والاجتهاد والغلو والنصيحة والتأنيب والمبادرة والعجلة، والأخبار بالحال عند الحاجة والشكوى.
فالشي ء الواحد تكون صورته واحدة وهو منقسم إلى محمود ومذموم كالفرح والحزن، والأسف والغضب، والغيرة والخيلاء، والطمع والتجمل، والخشوع والحسد والغبطة والجرأة والتحسر والحرص، والتنافس وإظهار النعمة والحلف والمسكنة والصمت والزهد والورع والتخلي والعزلة، والأنفة والحمية والغيبة، وفي الحديث: «أن من الغيرة ما يحبها اللّه ومنها ما يكرهه، فالغيرة التي يحبها اللّه الغيرة في ريبة، والتي يكرهها الغيرة في غير ريبة، وأن من الخيلاء ما يحبه اللّه ومنها ما يكرهه. فالتي يحب الخيلاء في الحرب» «1» ، وفي الصحيح أيضا: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه مالا وسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الحكمة فهو يقتضي بها ويعلمها» «2» وفي الصحيح أيضا: «إن اللّه رفيق يحب الرفق ويعطي
(1) أخرجه النسائي والإمام أحمد.
(2) أخرجه البخاري وأحمد.