و الاختلاف، وكذلك أبو محمد بن قتيبة قال في (كتاب اللفظ) : لما تكلم على الروح قال النسم الأرواح. قال وأجمع الناس على أن اللّه تعالى هو خالق الحبة وبارئ النسمة أي خالق الروح. وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: سألت رحمك اللّه عن الروح مخلوقة هي أو غير مخلوقة؟ قال: وهذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب أو الروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة، وصنف الحافظ أبو عبد اللّه بن منده في ذلك كتابا كبيرا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره والشيخ أبو سعيد الخراز وأبو يعقوب النهر جوري والقاضي أبو يعلى.
و قد نص على ذلك الأئمة الكبار واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في روح عيسى ابن مريم، فكيف بروح غيره، كما ذكره الإمام أحمد فيما كتبه في مجلسه في الرد على الزنادقة والجهمية: ثم إن الجهمي ادعى أمرا فقال: أنا أجد آية في كتاب اللّه مما يدل على أن القرآن مخلوق قول اللّه تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ «1» وعيسى مخلوق، قلنا له: إن اللّه تعالى منعك الفهم للقرآن، إن عيسى تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن، لأنا نسميه مولودا وطفلا وصبيا وغلاما يأكل ويشرب، وهو مخاطب بالأمر والنهي، يجري عليه الخطاب والوعد والوعيد، ثم هو من ذرية نوح، ومن ذرية إبراهيم، فلا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى، فهل سمعتم اللّه يقول في القرآن ما قال في عيسى؟ ولكن المعنى في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن، فكان عيسى بكن، وليس عيسى هو كن. ولكن كان يكن فكن من اللّه قول وليس كن مخلوقا، وكذبت النصارى والجهمية على اللّه في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا: روح اللّه وكلمته إلا أن كلمته مخلوقة.
و قالت النصارى: عيسى روح اللّه وكلمته من ذاته، كما يقال: هذه الخرقة من هذا الثوب، قلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة، وإنما
(1) سورة النساء، الآية 171.