النسائي رحمة الله عليه كما عرفنا من عاداته أو من طريقته أنه يُشْبه البخاري في كثرة التراجم والإتيان بالأحاديث تأتي من طرق ليستدل بها على موضوع يترجم له ، ويأتي بالحديث ليستدل به على موضوع الترجمة ، ومما يوضح هذا أن الإنسان إذا نظر في التراجم وأرقام الأحاديث يجد أن الأحاديث تكون قريبة من التراجم ، ويجد أرقام الأحاديث متطابقة مع أرقام التراجم ، بمعنى أن كل باب تحتها حديث.
وفيما يأتي ، يأتي في الباب الواحد أكثر من حديث ، لكن مهما يكن من شيء فإن الإنسان إذا نظر في أرقام الأحاديث وأرقام التراجم يجد أن أرقام التراجم كثيرة ، وأنها تكون قريبة من أرقام الأحاديث ، وهذا معناه أنه نتيجة لكثرة الأبواب وكثرة الموضوعات ، وأن الإمام النسائي يورد الأحاديث ليستدل بها على موضوعات ، وغالبًا ما يكون الموضوع أو الباب يأتي تحته حديث واحد لأن مقصوده من هذا العمل هو معرفة الفقه ، وما يستنبط من الأحاديث ، وأنه بهذا جمع بين أن يكون كتابه كتاب رواية ودراية ، كما كان البخاري كذلك.
لأن هذه التراجم وهذه الأبواب الكثيرة والتي يأتي بها ليستدل عليها بأحاديث يوردها تحت تلك التراجم ، يدلنا على أن كتاب النسائي على هذه الطريقة وعلى هذا المنوال ، إنه كتاب رواية ودراية ، كتاب فقه كما أنه كتاب حديث.
والفقه إنما هو بالتراجم وبكثرة التراجم ، بل إن بعض التراجم يوردها ويأتي بالحديث ليستدل به عليها ، ويكون فهمها دقيقًا كما في الترجمة التي بعد هذه الترجمة.
فإن إيراد الترجمة وإيراد الحديث المستدل به عليها ، هذا من الفهم الدقيق ، ومن جودة الفهم ، وكونه يستنبط من الأحاديث معان يستدل بالأحاديث عليها ما تظهر إلا بالتأمل وبإمعان النظر ، وهو دال على فقهه وعلى دقته وعلى جودة فهمه رحمة الله عليه.