أما ميدان المدن فهو الميدان الذي تتعطل معه قدرات العدو الجوية والآلية، فيضطر العدو إلى إقحام رجال المشاة في الميدان أو رجال القوات الخاصة، وهو أكثر الميادين إرهاقًا للجيوش، فهو إرهاق ذهني ونفسي وبدني، ولكن إذا أحسن رجال العصابات استخدام الميدان بالأسلوب الفعال، وكلما كانت المدينة أكبر مساحة وأكثر سكانًا، أصبحت أفضل لرجل العصابات، فيعجز العدو عن ملاحقة رجل العصابات للكثافة السكانية، وبإمكان رجل العصابات أن ينخرط بالأعمال المدنية دون أن يظهر عليه الانتماء لرجال العصابات، فهو في النهار موظف عادي، وفي الليل مقاتل شرس، هذا الميدان هو أفضل الميادين لقتل العدو إذا كانت هناك معطيات ميدانية وشعبية وتسليحية لرجال العصابات الذي يفترض فيهم الكفاءة العالية البدنية والعسكرية.
والشاهد على هذا الأسلوب القاتل للقوات النظامية مهما يكن تسليحها وقوة انتشارها، وقلة المعطيات لرجل العصابات، ما يحصل الآن في فلسطين، فرغم صغر حجم قطاع غزة والضفة الغربية، ورغم سعة انتشار القوات الصهيونية وتطويقها لهذه المناطق الصغيرة، إلا أنهم عجزوا عن إيقاف العمليات اليومية والتي تقتل منهم الكثير.
وبالمقارنة بين المعطيات الفلسطينية والمعطيات العراقية الميدانية والشعبية والتسليحية، إضافة إلى الفارق بين قوات العدو الصهيوني في فلسطين، وقوات العدو الصليبي في العراق، نجد أن هناك فرصة عظيمة جدًا للمسلمين بأن يجعلوا العراق جحيمًا على الصليبيين ليخرجوا منها أذلة وهم صاغرون ولو بعد حين.
ويمكن أن يتوفر لدى رجل العصابات أرض تجمع هذه الميادين كلها، فهناك بعض الأراضي فيها الغابات كثيفة، والمدن المحاطة بالجبال أو بالغابات، وهناك بعض الأراضي فيها المدن الكبيرة والغابات الكثيفة والجبال الوعرة فيمكن لرجل العصابات أن يحاول أن ينتقي الميدان الذي يخدمه، فإذا كان عدوه يتمتع بقوة جوية هائلة يرجح ميدان الغابات والأدغال على غيره لعطل القوة الجوية، وإذا كان عدوه يتمتع بقوة ميكانيكية هائلة فعليه أن يختار ميدان الجبال الوعرة، وإذا كان عدوه يتمتع بقوة متناسقة جوية وآلية فعليه بميدان المدن ليعطل كل هذه الإمكانيات.
ولكن المهم في أسلوب حرب العصابات أن يلتزم رجال العصابات بمرحلية هذه الحرب، ولحرب العصابات ثلاث مراحل لابد من إعطاء كل مرحلة حقها في الاستراتيجية والتكتيك، فلا يمكن أبدًا تحديد نهاية هذه المراحل بحدود زمنية، والذي يحدد نهاية المرحلة والدخول في الأخرى هو الانتهاء منها على الوجه الأكمل، وتتميز كل مرحلة عن المراحل الأخرى بسمات عسكرية وسياسية واقتصادية وإعلامية تخضع للمناورة والتغير بحسب المرحلة، إلا أن الأساس العقدي لا يخضع للمناورة في أي مرحلة من هذه المراحل، لأنه هو الدفاع لحرب العصابات في مراحلها الثلاث، وهذه المراحل هي:
المرحلة الأولى: مرحلة الاستنزاف:
وهذه المرحلة هي أطول مراحل حرب العصابات، لأنها المرحلة التي يركز رجال العصابات فيها على ضربات صغيرة وسريعة وكثيرة في كافة الاتجاهات أو على أكبر رقعة يمكن نشر العمليات عليها للإيغال في استنزاف العدو واستنفاره في كل مكان، وهي لابد أن تخضع لسياسة (اضرب واهرب) أو (القتل بألف جرح) أي إنهاك العدو بضربات صغيرة على مدى طويل حتى يسقط من الإعياء.