فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 164

ولكننا نقول بأن الصليبيين على حرص تام بألا يستدرجوا لمعركة حرب مدن تكلفهم الكثير، فهم يبدون تخوفهم من دخول هذا النوع من الحروب، فهم لم يخوضوا حرب مدن حقيقية منذ نكستهم في حرب مدينة هيون الفيتنامية عام 1387هـ 1968م، ويشاهد الآن أنهم لم يدخلوا مدينة كبيرة في العراق حتى الآن خشية الوقوع في معارك حرب المدن، فميدان حرب المدن ميدان صغير نسبيًا ولا يمكن أن يستوعب التشكيلات الغازية بشكل كامل، وميدان المدن أيضًا فيه تماس مباشر مع قوات الخصم يعطل الإسناد الجوي والميداني، فيصبح الحمل في هذا الميدان على كاهل الجندي الذي هو في الحقيقة يحاول التقدم إلى حتفه بدخوله إلى منطقة لا يعرفها ولم يسبق له دخولها من قبل، وفي المقابل يجهز خصمه كل المقومات للإيقاع به.

بما أن الأمريكان على حرص تام بتجنب حرب المدن فماذا يمكن أن يصنعوا لحسم الحرب، إذا ما رفضوا الدخول في هذه المرحلة التي يرفض أصحاب الأرض إلا أن يجعلوها هي الفاصلة؟ فهل نقول أننا سنصل إلى مرحلة رمادية وجمود على الميدان؟ وما هو الأسلوب الذي ربما سيستخدم من قبل الصليبيين للحسم دون حرب مدن؟

الجواب على هذا السؤال هو جزء من الجواب على السؤال الذي بدأنا به الحلقة، وللإجابة على هذا وذاك لابد أن نحاول استقراء الخطط الصليبية لحسم المعركة، إذا ما استبعدنا خيار حرب المدن بالنسبة لهم.

نحن نتوقع أن تمر الحرب بمراحل بما أن الغزاة تأكدوا أن أسلوب الاندفاع السريع في الميدان لا يحقق هدفًا من أهداف الحرب وأنه مجرد إثقال لكاهل القوات بحماية مساحات شاسعة من الصحاري وخطوط إمداد طويلة.

فالمرحلة الأولى: كانت بمحاولة دخولهم في حرب برية مستعجلة تتخذ من التقدم الصاعق والسريع أسلوبًا لها لتحقيق سقوط المدن بما فيها بغداد بعد انضمام الشعب والجيش العراقي معها، وإن كان هذا الأسلوب ربما ينفع لأجل قوة النيران والإسناد الجوي في كسر الدفاعات العراقية النظامية على ضواحي المدن، إلا أنه لا يجدي نفعًا مع أساليب حرب العصابات والتشكيلات شبه النظامية، فمن الغباء دخول عمق الأراضي العراقية بأكثر من 500 كلم دون إيجاد قوات خلفية لحماية خطوط الإمداد اللوجيستي، وبسبب هذا الأسلوب في التقدم وقعت القوات سواء في تشكيلاتها القتالية الأولى أو وحدات الإمداد الخلفية في مطاحن عراقية كبدتها خسائر فادحة تسببت بإيقاف العمليات بشكل كامل بعد ستة أيام من بدايتها، سوى القصف الجوي، ليتم إعادة تشكيل القوات بعد تعديل الخطة من جديد، لتبدأ المرحلة الثانية.

المرحلة الثانية: بعد المقاومة العنيفة التي أبداها العراقيون في الجنوب والتي كانت معتمدة على القوات شبه النظامية وعلى أبناء العشائر، رأى الغزاة أن أسلوبهم الأول لن يحقق لهم نصرًا وأنه سيكبدهم خسائر فادحة، فإذا كانت كل قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 15 ألف نسمة كأم قصر ستكلفهم خسائر فادحة كالتي حصلت في أم قصر فمعنى ذلك أن القوات الغازية ستفنى قبل أن تصل إلى بغداد لكثرة القرى والمدن التي ستجد نفسها مجبرة لدخولها لحماية تقدم قواتها.

و لهذا قررت تقديم قواتها إلى بغداد عبر الصحراء التي أخلتها القوات العراقية مسبقًا، ومحاولة كسر الدفاعات العراقية أو حصار بغداد من جهتين جنوبية وغربية، لمحاولة الدفع بأكبر عدد ممكن من القوات لإسقاط بغداد التي يأمل الغزاة أن يكون سقوطها سببًا لسقوط جميع المدن دون الحاجة لحرب في كل مدينة، على اعتبار أن إدارة المدن وتوجيه دفاعاتها صادر من بغداد فإسقاط بغداد إسقاط لغيرها، وبالطبع فإن الذي دفع الأمريكيين لاستعجال معركة بغداد هي الأسباب التي سبق ذكرها في الحلقة الماضية في محاولة هروبهم من حرب طويلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت