فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 164

هذا التوصيف يؤكد أن الحرب لا يمكن أن تستمر بهذا الأسلوب، خاصة وأن العراقيين يعلمون أنهم أحسنوا امتصاص الهجوم الرئيسي الأول، وهم الآن بصدد امتصاص الهجوم الثاني على بغداد، وفي حال تمكنهم من ذلك فهذا سيؤدي إلى تغيير أساليب الطرفين، مما سيدفع العراقيين إلى التحول إلى الهجوم بعد تمكنهم من امتصاص الموجة الأولى، أما الطرف الآخر فسوف نفصل في أساليبه لاحقًا.

إن أسلوب التحرك السريع للقوات الأمريكية من الجنوب إلى الوسط، لم يكن أسلوبًا يروق للبريطانيين، فهم يرون أن التحرك لابد أن يكون بطيئًا لضمان سلامة الجنود وإحكام السيطرة على كل منطقة يتم التقدم إليها، ولكن هذا الأسلوب لا يناسب الأمريكيين لأنه بطيء، وهم بحاجة إلى الاستعجال للأسباب التي ذكرناها في الحلقة الماضية والتي غيروا من الاستراتيجية الهجومية لأجلها.

ولكن أسلوب التحرك السريع لا يدل على شيء في مناطق صحراوية أخلاها العراقيون مسبقًا، وهي بدأت منذ اليوم الدخول في المناطق السكانية ولن تستطيع التحرك بشكل سريع، بل إنها ستجبر على الأداء القتالي البطيء والطويل نظرًا لطبيعة ميدان المدن والقرى والمناطق المأهولة بالسكان، والتي يفترض أن يكون الجيش العراقي قد أعد لهذه المرحلة بشكل كبير، ابتداءً من توزيع مضادات الطائرات التي لم تشارك بعد في المعركة فوق جميع المباني العالية في المدن والقرى لتعطيل القوة الجوية الإسنادية، وتوزيع المضادات المتحركة في كل الأحياء، وتوزيع المدفعية الميدانية بأشكال دفاعية متناسقة داخل المدن، وتقسيم المجموعات القتالية بأساليب تتابعية تتمكن من استنزاف الكثافة النارية الصليبية، وعرقلة تحرك الآليات على جميع الممرات والطرق لإجبار القوات الغازية للقتال الراجل، هذا بعض ما يفترض أن الجيش العراقي أعد له، وهذا سيحيل الأداء الأمريكي إلى أداء بطيء يستغرق وقتًا طويلًا لأنه لا يسمح للغزاة باحتلال مساحات أرضية كبيرة، ويجب عليه أن يتحرك بالأمتار ويمشط المباني مبنى مبنى، فإذا كان الهجوم على مكان واحد خارج العمران وهو مطار صدام الدولي استغرق منهم حتى الآن ثلاثة أيام تكبدوا فيه خسائر كبيرة، كما أعلن عنها الطرف العراقي الذي نأمل أن يكون صادقًا في تطهيره للمطار وقتله للمئات منهم، فقياسًا على عملية المطار الذي يقع خارج المناطق السكانية سواء نجحت أو فشلت، فهذا يعني أن عملية دخول المباني إضافة إلى عرقلتها للتحرك السريع للقوات، إلا أنها ستشكل عائقًا كبيرًا جدًا أمام الإسناد الجوي وستحد من تحركه وإسناده لقوات البر خشية استدراجه لكمائن مدمرة، مما سيضع رجل المشاة الصليبي منفردًا وربما بدون آليات أمام الجندي العراقي.

أما الجندي العراقي فسيحصل له في هذه المرحلة - أي حرب المدن - ما كان يعد له بكل قدراته، وسوف يدعم من موقفه في الميدان مساندة شعبه له وأنه يقاتل في أرضه وهي مناطق عرفها شارعًا شارعًا يجهلها الجندي الصليبي، وهذا الواقع سيتيح للجندي العراقي أن يكثف من عمليات الكمائن والغارات والعمليات الاستشهادية والشراك الخداعية في كل مكان سيخليه العراقيون للصليبيين لأهداف مسبقة، وستلعب العبوات الناسفة الضخمة ذات التفجير عن بعد دورًا مهمًا في إرعاب العدو وإيقاع الخسائر في صفوفه ونسف آلياته المحصنة، وستكون مهمة العراقيين في هذه المرحلة أن يصلوا إلى إيقاع أكبر قدر من الخسائر من قتلى وأسرى وجرحى في صفوف الغزاة، فإن لم تظهر هذه الخسائر للإعلام فيكفي أنها ستدمر الروح المعنوية لجنود الغزاة مما سيمنعهم من التقدم ودخول المدن مرة أخرى، ولو ظهرت هذه الخسائر للإعلام فإنها ستسبب هزيمة للغزاة على جميع الأصعدة وأهمها السياسية والاقتصادية والإعلامية، وبعد كل هذه المجهودات الضخمة للغزاة فإن دخولهم في مثل هذه المرحلة بهذه الخسائر سيسبب لهم إرعابًا وصدمة حقيقية تفقدهم الرغبة بمواصلة القتال، كما أن الدول المعادية لأمريكا أو المؤيدة للعراق ستفعّل هذه المرحلة من دورها وتزيد حماسها مع الموقف العراقي مما سيغير الموقف السياسي لأطراف كثيرة قريبة وبعيدة من الميدان.

ولو اصطدم الصليبيون بهذا الأسلوب بعدما اصطدموا بأسلوب المقاومة في الجنوب، كيف يمكن أن يتعاملوا مع المعركة؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي يحاول المراقبون العسكريون أن يتوقعوه من خلال قراءة تاريخ الحرب الأمريكي، ومتابعة التحركات الميدانية الحالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت