الصفحة 46 من 237

المبحث الأول

ألفاظ الحيوان

شغل الحيوان جانبًا مهمًا من شعر الكميت، وكان للأليف منه والوحشي جانب واضح. وقد مكنته خبرته الصحراوية من وصف مختلف الحيوان وصفًا دقيقًا على الرغم من انه كان يعيش في الحضر.

فحين صّور الكميت الحيوانات أليفها ووحشيها، وصف حركاتها وهيئاتها وألوانها وأعمارها ونشاطها، وسرعتها وأحوالها بدقة كما سيتضح في ما هو آتٍ من شعرهِ.

وسوف يكون الحديث في ذكر الحيوانات التي وردت في شعره بحسب نسب شيوعها فيه والمتأمل في شعره يجد الحيوانات على ألوان وصنوف متعددة هي:

(1) الحيوان الأهلي: وهي الإبل والخيل والكلاب والشاء والماعز والثيران.

(2) الحيوان الوحشي: مثل الذئب والأسد والضبع والثعلب.

(3) الحيوان المائي: وهو الذي عبّر عنه في مواضع بالحوت وبالنون.

ألفاظ الحيوان الأهلي:

عرف الحيوان الأهلي بكثرة وفائه وخدمته للإنسان، وعرف البعض منه بكثرة تحمله لشدة البيئة الصحراوية وقسوتها0 كالإبل مثلًا. وقد اهتم الشعراء بوصفها، واستأثرت بحبهم لها، لأنها الملائمة للحياة الصحراوية؛ لتحملها وعورتها، ومقاومتها

لشدة ظروفها (1) . فالإبل ُتعّد وسيلة من وسائل النقل التي تتحمل ما يفرضه السفر عليها من الجهد والمشقة، لتبلغ بأصحابها أماكن لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس، كما ذكر ذلك القرآن الكريم بقوله عّز وجل: (َوتحْمِلُ أثقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لم تكونوا بلِغِيه إلا بِشِقِ الأنفس إن ربكم لرءوفُُ رحيم) (2) .

وهي فوق ذلك أداة للترويح عن النفس، إذ كثيرًا ما يفرجون بها عن أحزانهم. فالإبل تصّر آذانها إذا حدا في آثارهاالحادي، فتزداد نشاطًا، وتزيد في مشيها (3) . فكانت كثيرًا ما تجلو همومهم، فتذهب ببواعث الألم والضيق منها. وبسرعتها في مشيها تثار نوازعهم للوصف0 وقد وقف الكميت متأملًا في أعضائها ووصفاتها فتناولها بالوصف عضوًاعضوًا: خّدها، وظهرها، وبطنها، وقوتها، وصلابتها، وشدّتها وسرعتها وقدرتها على اجتياز المفاوز بل وعمرها ولونها. وكان ذلك كله ينبعث عن قوة الملاحظة. فقد صّور هذه الصفات تصويرًا دقيقًا ورائعًا. ويمكن تقسيم ألفاظ الإبل في شعره إلى مجالات دلالية عدة حسب أحوال الإبل، وذلك:

ألفاظ دالة على أسماء الإبل:

(1) الإبل: تعددت أسماء الإبل بتعدد جهات التَّسْمِية. و (الإبل) اٌسم يطلق على الجِمال والُّنوق، وهو مؤنث، لا مفرد له من لفظه، لأن مفرده (ناقة) أو (جمل) (4) ، وقد ذكرها الكميت، فقال:

فأني وتمَداحي يزيَد وخالدًا ... ضلالًا لكالحادي وليسَ له إبْلُ (5)

ويلحظ أن الشاعر أسكن باء الإبل هنا طلبًا لاستقامة الوزن، مع أنها في الأصل مكسورة، كما هو معروف.

(2) نائبة: وردت لفظة (نائبة) للدلالة على الإبل التي تخرج من أرض إلى أرض، الماضية

(1) الطبيعة في الشعر الجاهلي د. نوري حمودي القيسي 97 0

(2) النحل 7.

(3) الحيوان: الجاحظ 4/ 193.

(4) لسان العرب (إبل) 1/ 8.

(5) الديوان 2/ 11، وينظر الديوان 2/ 94، 2/ 38، 2/ 97، القصيدة النونية 254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت