لذلك هاجم الأشاعرة في الفتوى الحموية الكبرى (جواب سؤال ورده من أهل حماة) وانتقد تأويلهم للآيات مثل: (استوى على العرش، يد الله، وجه الله) ، لأنه لم يعرفه السلف الصالح الذين أخذنا الدين عنهم، وكان يفترض أن يسعنا ما وسعهم.
5 -الجمود المذهبي:
ولد (ابن تيمية) في عصر استشرى فيه تعصب الفقيه لمذهبه وإمامه، وقد نشأ حنبلي المذهب، وكانت أسرته حنبلية، وأتم كتابا في الفقه الحنبلي بدأه جده، وعمل فيه أبوه، وكان يرى أن مذهب الإمام أحمد أمثل المذاهب وأقربها إلى السنة، ولكنه كان لا يتعصب للإمام أحمد شخصيا، بل كان يحترم الأئمة الآخرين، ويعذرهم في اجتهاداتهم المخالفة للإمام أحمد، وألف كتابا حول هذا الموضوع، سماه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ؛ وكان لا يتعصب لمذهبه، بل يوصي الفقيه المحقق ألا يلتزم مذهبا معينا، إذا وجد الحق في غيره، وأن يترك المذاهب كلها، إذا وجد حديثا يخالفها، وهذا ما قام به في بعض المسائل مثل: اعتبار الطلقات الثلاث في المجلس الواحد طلقة واحدة، وفي أيمان الطلاق؛ لأنه كان يعتبر نفسه مسوقا وراء الدليل الأقوى.
الخلاصة التي يمكن أن ننتهي إليها من استعراضنا لشخصية ابن تيمية أنه يجسد الطائفة الظاهرة خير تجسيد، فقد أكمل النقص الذي قصر فيه الولاة والحكام من مجاهدة التتار، ومن محاربة الطوائف الباطنية كالنصيرية، كما وضح الأخطاء التي استشرت في عصره، وحاربها بالصدع بالحق وبالدعوة إليه سواء أكانت في مجال العبادة أم في مجال التصوف أم في مجال تداخل الفلسفة والمنطق مع علوم المسلمين أم في مجال التعصب المذهبي.
إذن كان ابن تيمية العالم العامل المجاهد الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر المسدد لمسيرة الأمة المصوب لها، الراتق لكل الفتوق.
رحمك الله يا ابن تيمية فقد كنت طائفة ظاهرة وليس رجلا في طائفة. . . .!
لقد كان دور العلماء هو الدور الأبرز في الطائفة الظاهرة، وكان الأهم في تسديد مسيرة الأمة، فما هي المواصفات التي يمكن أن نستخلصها من سيرهم لتكون نبراسا للدعاة