وقد أوردت كتب الحديث رواية عن سبب نزول"آية سورة الأنعام"فقالت:"حدثنا أبو بكر بن شيبة حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي عن اسرائيل عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد بن أبي وقاص، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه" [1] ."
وقد أورد القرطبي تفسيرا لآيتي سورة الأنعام فقال:"وقد أخرج هذا المعنى مبينا مكملا ابن ماجة في سننه عن خباب في قول الله عز وجل:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي"إلى قوله"فتكون من الظالمين"قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم، فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة ودعا عليا - رضي الله عنه - ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل عليه السلام فقال:"ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين"ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن الفزاري فقال:"وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين؟"ثم قال:"وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب على نفسه الرحمة"قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبتيه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا؛ فأنزل الله عز وجل"واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا"ولا تجالس الأشراف"ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا"يعني عيينه والأقرع"واتبع هواه وكان أمره فرطا"أي هلاكا قال: أمر عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين"
(1) صحيح مسلم. طبعة دار الجيل (7/ 127) .