الصفحة 229 من 337

والآخر: لأبي العباس المبردّ مفادُه: إنّه (( يجوز أن يكون صفة(اللهُم) ّ حَمْلًا له على (يا الله) فاطر السموات والأرض )) [1] . وسكوتـ الطوسي عن الترجيح دليل على تجويزه الأمرين بأن يكون نصبًا على النداء أو على الصفة. ورجحّ أبو جعفر النحاس النداء فقط [2] .

(3) ما يحتمله اللفظ من أوجه الرفع والنصب:

ومن ذلك قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَبٌ أَنَزَلنَهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 155] . فقد بيّن الشيخ أنّ لفظ (مُبارَك) تحتمل وجهين: الرفع على أنّها صفةٌ للكتاب، والنصب على الحال. وفضَّل الرفع؛ لأنّه (( يدل على لُزوم الصفة للكتاب، والنصب يجوز أن يكون لحالةٍ عارضةٍ في وقت الفعل ) ) [3] . وإنّما حقق الرفعُ لُزومَ الصفة للكتاب؛ لأنّ به تتمّ الجملة الاسمية التي تدلّ على الدوام والثبوت وعدم الانقطاع، فالبرَكة صفة لازِمة لكتاب الله منذ الأزَل وحتى آخر الزمان. أمّا النصب فيكون اللفظ به دالاَّ على حال للمفعول به وهو ضمير الهاء المتصل بالفعل، والحال وصفٌ عارضٌ غيرُ دائم، ولاسيّما أنّه في جملة فعلية، تختصّ بالدَلالة على التجدّد والحدوث والانقطاع، وكأنّ البركة عرَضيّة لا تدوم، وهو ما لا يجوز وصف كتاب الله به، ولذا جاءت الآية على قراءة الرفع بالإجماع، فلم يرد بها خلاف في كتب القراءات، وما ذكرَه الطوسي محضُ احتمالٍ يجوز في غير القرآن.

ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَزُلْزلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} [البقرة: 214] إذ قرئت برفع (يقول) وبنصبه [4] ، وفرّق الطوسي بين القراءتين (( من ثلاث جهات: الأولى: أنّ أحدهما على الحال والآخر على الاستقبال، والثاني: أنّ أحدهما قد نُقِض والآخر لم يُنقَض، والثالث: أنّ أحدهما على الغاية والآخر على التأدية، ومعنى الغاية في الآية أظهر؛ لأنّ النصب جاء عند قول الرسول، فلذلك كان الاختيار في القراءة النصب ) ) [5] . فبالرفع يكون الفعل المضارع دالاًّ على (( الحال للفعل المذكور، والحال لكلام المتكلّم، وذلك القول قد يكون في حالة زلزلةٍ ... والرفع يوجب التأدية بمعنى: أنّ الزلزلة أدّت إلى قول الرسول ) ) [6] وبالنصب يكون الفعل المضارع منصوبًا بـ (أن) مُضمرة بعد (حتى) تدلّ على الاستقبال، فيكون القول هو غاية الزلزلة إذ (( لايكون إلا بعد تقضيها وإن كان متّصلًا بها ) ) (2) ؛ لأنّ قوله (( وزُلزِلوا، قد دلّ على وقتٍ، ثمّ

(1) التبيان 9/ 35، وينظر المقتضب 4/ 239.

(2) إعراب القرآن 2/ 822.

(3) التبيان: 4/ 323.

(4) قرأ نافع وحده (حتى يقولُ) رفعًا، وقرأ الباقون، (حتى يقولَ) بالنصب، ينظر: السبعة في القراءات 181.

(5) التبيان: 2/ 199.

(6) و (2) و (3) التبيان 2/ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت