به شيئًا بعد شيء )) [1] ، إذ وُضِعت الجملة الاسمية للإخبار بثُبوت المُسند للمُسند إليه، بلا دَلالة على تجدّد أو استمرار.
وقد أشار الطوسي إلى هذه الدلالة في أكثر من موضع في تفسيره، منها:
أ ـ قوله تعالى {: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة:40] فقد ذكرَ الطوسي فيه قراءتين، بنصب (كلمة) الثانية ورفعها [2] . ووجّه القراءتين فقال: (( قرأ يَعقوب وحدَه {وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا} بالنصب، على تقدير: وجعل كلمةَ الله هي العليا. ومن رفعَ أستأنفَ، وهو أبلغُ؛ لأنّه يفيد أنّ كلمة الله هي العليا على كلّ حال ) ) [3] فبالرفع تكون الجملة اسمية، وبالنصب تكون فعلية، والاسميّة أرجح وأبلغ؛ لأنها تدلّ على دوام عُلوّ كلمة الله وثبوتها في كل حالٍ وزمان، على حين تدلّ الفعليّة على احتمال تجدّد علوّها وتغيّره وعدم استمراره. وهو ما ثبت في أكثر من تفسير [4] .
ب ـ قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ... } [البقرة: 79] فقد ذكر فيها وجهين: برفع (ويل) ونصبها. قال: (( ولو كان في غير القرآن، لجاز بالنصب على معنى: جعل الله ويلًا للذين، والرفع على معنى ثبوت الويل للذين ) ) [5] . أي إنّ الجملة الاسمية المقدّرة: هذا ويلٌ أو: هو ويل ٌ، دلّت على ثُبوت الويل للكافرين ودوامه على وَجه الدُعاء عليهم. وقد عدّ القراءة بالنصب ممّا لا يجوز في القرآن؛ لأنّها لم ترِد في كتاب الله إلاّ مرفوعة، ومنه قوله: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1] . فكلّ ذلك وردَت (ويلٌ) فيه مرفوعةً؛ لأنّه دعاء بثبوت الويل والعقاب لكلّ من عصى الله [6] ، والويل كلمة جامعة للشرّ كلّه تأتي للتَقبيح في نحو قوله: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء:18] ، وتأتي للتحسّر والتفجّع [7] ، نحو قوله تعالى على لسان هابيل: {يَوَيْلَتِىعَجَزْتُ أًنْ أكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} [المائدة:31] .
(1) دلائل الإعجاز 182، وينظر: معاني الأبنية 9، والدلالة في النحو العربي83 ـ 84، وفي النحو العربي:
قواعد وتطبيق 86، والصيغ الزمنية في اللغة العربية: مالك المطلبي84.
(2) قرأها يعقوب بنصب التاء من (كلمة) ، وقرأ الباقون بالرفع. النشر في القراءات العشر: ابن الجزري 2/ 279.
(3) التبيان 5/ 221.
(4) ينظر جامع البيان 10/ 137، والجامع لأحكام القرآن8/ 149، وروح المعاني 10/ 99.
(5) التبيان 1/ 321.
(6) الجامع لأحكام القرآن 2/ 8، وروح المعاني 1/ 302.
(7) تأويل شكل القرآن 424،