الصبر على المصيبة، لكفّه نَفْسه عن الجَزَع، وقيل لشهر رمضان: الصبر، لصبر صائمه عن الطعام والشراب ... والصبر نَصْب الإنسان للقتل ... وكلّ من حبسته لقتل أو يمين فهو قتل صبر ويمين صبر )) [1] . ويوافق كلامه ماجاء لدى سابقيه، فالصبر ضدّ الجَزَع. والصبر على الشدّة بمعنى صَبْر النفس عن أيّ قول أو فعل، وصبرتُ على مصائب الزمان أي: حسبتُ نفسي عن الجَزَع وعدم التحمّل [2] . وهو بهذا المعنى لدى المحدثين أيضًا [3] .
5 ـ الصياصي: جمع صيصية، وهو اسم مشتق من الفعل صَيَصَ، وأصله في اللغة: من صاصَتْ النخلة إذا صارت شيصًا بلا ثَمَر [4] .
وقد ورد هذا اللفظ في قوله تعالى: {وَأنزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أهْلِ الْكِتِبِ مِن صَيَاصِيهِمْ .. } [الأحزاب: 26] ، فعلّق الطوسي عليه قائلًا: (( الصياصي: الحصون التي يُمتَنَع بها، واحدها صيصية، والصيصية قرن البقرة وشوكة الديك أيضًا، وهي شوكة الحائك أيضًا ... ) ) [5] .
وأقدم من وقف عند هذا اللفظ مبيّنًا دلالته أبو عبيد القاسم بن سلاّم الذي عدّه من المشترك [6] ،وبيّن دلالته العامّة فقال: (( كلّ من يتحصّن بشيءٍ فهو له صيصية ) ) [7] . ووقف عنده أيضًا أبو عمرو الجاحظ، متتبعًا التغيّر الدلالي الذي مرّ به، وصولًا إلى دلالته القرآنية إذ قال: (( العرب تُسمّي الدارع وذا الجُنّة صاحبَ سلاح، فلمّا كان اسم سلاح الديك وما يَمتنع به صيصية، سمّوا قرن الثور الذي يجرح صيصية، على أنّه يشبّه في صورته بصيصية الديك وإن كان أعظم. ثم لمّا وجدوا الآجام معاقلهم وحصونهم وجُنّتهم، وكانت في مجرى التُرس والدِّرع والبيضة، أجروها مجرى السلاح، ثم سمَّوها صياصي، ثمّ أسموا شوكة الحائك التي بها تُهيّأ السُداة واللُحْمة، إذا كانت مشبّهة بها في الصورة ) ) [8] والجاحظ هنا يبيّن حركة تطوّر هذا اللفظ وانتقاله من مُسمّىً إلى آخر، مع وجود صلة معنوية تحتفظ بها كل المُسمّيات هي القوّة والدفاع عن النفس وتأمين الحماية [9] ،سوى صيصية الحائك التي ترتبط بتلك المسميات ارتباطًا حسيًا من حيث التشابه الشكلي، وقد جعل ابن دريد آلة الحائك الأصل اللغوي للفظ (صَيصَ) ، وكلّ ما
(1) التبيان 1/ 201ـ202.
(2) ينظر (صبر) :مقاييس اللغة 3/ 329، والفروق في اللغة 195.
(3) المعجم الوسيط 1/ 508.
(4) لسان العرب (صيص) 7/ 51
(5) التبيان 8/ 333.
(6) كتاب الأجناس من كلام العرب 3.
(7) المصدر نفسه 30.
(8) الحيوان 1/ 234 ـ235، وينظر الدراسات القرآنية عند الجاحظ: خالد محمد حماش 165
(9) الدراسات القرآنية عند الجاحظ 165.