أن الحديث دالٌ على وقوع الفطر بالمعنى، وإنْ لم يكن على صورة الفطر، وصورة الفطر هو الأكل والشرب، ولم يكن وصول الماء مِنْ المبالغة في الاستنشاق على هيئتها، ومع ذلك كان مفطرًا، مما يدل على أن المناط هو معنى الأكل والشرب لا صورتهما.
وقد ظهر توسيع الفقهاء لباب المفطرات، استنادًا إلى حديث لقيط بن صبرة من خلال النظر إلى المحددات الثلاثة:
1 -الجوف.
2 -المنفذ.
3 -العين المفطرة.
وذلك كما يلي:
وقع توسعهم للجوف:
باعتبارهم الدماغ جوفًا فرعيًا إضافة إلى الجوف الأصلي وهو البطن، وكان هذا منهم بناء على مقدمتين:
الأولى: أن الماء المبالغ به يصل إلى الدماغ.
الثاني: أن ما يصل إلى الدماغ وهو الجوف الفرعي، يصل إلى البطن وهو الجوف الأصلي.
وفي هذا نظر لما يلي:
أولأً: ليس في حديث لقيط بن صبرة ما يفيد أن المخوف هو وصول الماء إلى الدماغ، وإن جرى على ذلك كلام كثير من الفقهاء.
ثانيًا: أثبت علم التشريح أنه لا منفذ بين الدماغ إلى الجوف
ثالثًا: الماء المستنشق له منفذٌ إلى الجوف الأصلي، وهو البطن، وهذا واقعٌ، ومعروفٌ بين الناس، وثابتٌ طبًا.
رابعًا: أن اعتبار التخوف في الحديث من المبالغة في الاستنشاق هو وصول الماء إلى الجوف (البطن) يتوافق مع المفطرات المجمع عليها، بينما اعتبار التخوف من وصوله إلى الدماغ، ثم تقرير أن الدماغ جوف هو أمرٌ زائد على المفطرات المجمع عليها، وإذا تعارض احتمالان أحدهما يتفق مع المجمع عليه، والآخر زائد عليه، فإن الموافق أولى منه لتأيده بالمعنى المجمع عليه، فإرجاعه إليه أولى من اعتبار جوفٍ ثانٍ؛ فكيف وقد بيَّن الطب الحديث ألا منفذ أصلًا بين الدماغ والجوف.
خامسًًا: قرر أن الدماغ ليس بجوف: جماعةٌ من الفقهاء القدامى، فهو اتجاه بارز لدى المالكية والشافعية، وذكره الطحاوي، ونص عليه الأحمدان: القرافي وابن تيمية.
ومن المعاصرين: ابن عثيمين، والمباركفوري صاحب كتاب مرعاة المفاتيح.
وأكد كلُّ هؤلاء: أن المخوف في حديث لقيط بن صبرة إنما هو وصول الماء إلى الحلق من منفذ الأنف، وليس للدماغ فيه مدخل.
وبما سبق: يتبين أنه لا داعي لاعتبار جوفٍ فرعي، وهو الدماغ؛ فإنه أمرٌ وإن التبس على بعض الفقهاء المتقدمين فإنه ينبغي ألا يبقى الأمر على التباسه؛ لاتضاحه اليوم بحمد الله.
ثم وقع مِنْ بعضِ الفقهاء توسيعٌ آخر في تفسير الجوف الفرعي إضافةً إلى الدماغ:
فألحقوا بهما:
1 -الدبر.
2 -والمثانة.
مما لم يحققه الدليل الخاص، ومستندهم في ذلك أنها كالدماغ لها مجرىً إلى المعدة.
أما توسّعهم في المنافذ:
فهو إلحاقهم بعضَ المنافذ بالأنف مع الاختلاف المعنوي بينهما، كالعين، والأذن، والإحليل فإنه لا منفذ مفتوح نافذٍ لها إلى الجوف الأصلي وهو البطن، كما ثبت ذلك في طب التشريح.
فاعتبار حديث لقيط بن صبرة للأنف منفذًا ملتئمٌ مع المفطرات المجمع عليها؛ لأنه منفذٌ مفتوح إلى جوف البطن، ويكون عن طريقه تسريب الماء أو الدواء، فهو ملحقٌ بالفم معنىً وإن كان لا يشبهه صورة من جهة طريقة الإدخال.
وإن على مَنْ أراد إلحاق منفذٍ بالفم أن يلتزم بالمعنى الذي جاز مِنْ أجله اعتبار الأنف منفذا.
أما توسعهم في اعتبار المفطر:
فهو إلحاقهم جملة من الأشياء التي ليس لها حكم الأكل والشرب مثل الكحل، وحقنة الشرج، ودهن الأذن.
وحديث لقيط بن صبرة لا يسعفهم لأن الذي فيه إنما هو الماء وهو مفطرٌ بالإجماع، وليس من جنسه ما ذكروه.
قلت: سيأتي إن شاء الله مزيد مناقشة وبحث عند عرض الاتجاه الثالث الآتي لاتصال الكلام به.
الاتجاه الثالث: اتجاه تقييد دلالة لقيطٍ على المفطرات:
فأصحاب هذا الاتجاه: يعتبرون حديث لقيط بن صبرة دالًا على أحكام مفطرات الصيام.
بخلاف أصحاب الاتجاه الأول [ابن حزم، القرضاوي] : الذين ألغوا دلالته على أحكام المفطرات.
لكنهم مع ذلك: لم يتوسَّعوا في الاستدلال به كتوسع أصحاب الاتجاه الثاني؛ بل قيَّدوه في مناطق محدودة.
وأصحاب هذا الاتجاه: وإن لم يكونوا بحجم الفريق الثاني الموسِّعين لدائرة المفطرات، إلا أنه يبقى أن لهم حضورًا واضحًا في كتب الفقهاء، فهم يمثلون جماعة من فقهاء المذاهب الأربعة، فهو مذهب طائفة من المالكية، لاسيما العراقيين منهم، ومن المصريين القرافي، ومن الأندلسيين ابن عبد البر، وهو أيضًا مذهب الوالوالجي من الحنفية، وابن تيمية من الحنابلة، واتجاهٌ معروف لدى الشافعية، وأخذ به جماعةٌ مِن المعاصرين.
وهذا الفريق هو أحد طرفي المضيقين في المفطرات، فالفقهاء باعتبار التوسيع والتضييق على طريقتين رئيستين:
1 -توسيع دائرة المفطرات [الجمهور] .
2 -تضييق دائرة المفطرات.
وهؤلاء المضيقون على طريقتين أيضًا:
1 -الطريقة القياسية.
2 -الطريقة الظاهرية.