الصفحة 22 من 33

فالفطر يقع بالإبر المغذية فقط؛ لأنها هي التي يحصل بها معنى الأكل والشرب؛ لاكتفاء البدن واستغنائه عن المواد المألوفة من أنواع الطعام والشراب، فهي تعطي للجسم كل وحداته الحرارية، وتحدث فيه التوازن لمتطلباته من الماء، حتى إن الإنسان إذا التهب كبده ظمأ فحقن بهذه المحلولات ذهب عطشه وروي.

وهذا قول أكثر المعاصرين.

ونوقش هذا الاتجاه بأمور منها:

1 -أن الإبر غير المغذية لا تخلو أيضا من أن تمزج ولو بكمية قليلة مِنْ السائل الملحي أو السكري وهو سائل مغذي.

2 -أن الشارع لم يفرق في الأكل والشرب بين الغذاء والدواء، بل إن اشتراط التغذية في وصف الأكل والشرب هو خلاف قول أكثر أهل العلم، فوصف الغذاء مهمل عندهم، وإنما المناط هو وصول العين الداخلة إلى الجوف الشرعي، لكن إن تحقق وصف التغذية فهو من تمام الوصف لكن لا أن يقصر عليه إذا تحقق أصل الوصف، وهو دخول العين المستقرة إلى الجوف.

الاتجاه الرابع: التفريق بين الإبر الوريدية والإبر غير الوريدية:

فيقع الفطر بالإبر الوريدية للأسباب التالية:

1 -أنها صارت منفذا عرفا ومعتادا لإمداد الجسم بالغليكوز والصوديوم وأنواع الأحماض المختلفة، فنزِّل منزلة المنفذ الأصلي، والمنفذ الأصلي لا فرق فيه بين كون الداخل غذاء، أو دواء، أو تخديرا، وليكن كذلك ما نزِّل منزلته، فأصبح منفذًا يمدّ الجسم بالسوائل اللازمة من غذاء، أو دواء، أو ما ألحق بهما.

2 -أن السائل الداخل إلى الإبر الوريدية يمد الجسم كله، ومنه الجوف الشرعي.

3 -أن السوائل التي تصل إلى الأوردة والشرايين توسع مجاري الدم، وقد أمرنا بتضييقها، والقول بتناول الأغذية والمقويات عن طريق الدم يتنافى مع الحكمة من الصيام.

ولا يقع بغيرها للأسباب التالية:

1 -أنها داخلٌ إلى غير جوف عند الفقهاء الأربعة، ومعهم أهل الظاهر.

2 -أنها إنما تصل إلى البدن عن طريق المسام، فهو منفذ غير معتبر في الإفطار، مثله مثل من اغتسل فأحس ببرد الماء في كبده، ومثل تغذي الجسم من خارجه، بتشرب المسام للدهن ونحوه، فإنه لا يفطر إجماعا. ( [1] )

3 -أن الفقهاء قد نصوا على أن الصائم لو أنه أوصل الدواء إلى داخل لحم الساق، أو غرز فيه سكينا، أو غيرها، فوصلت مخَّه لم يفطر بلا خلاف؛ لأنه لا يعد عضوا مجوفًا، وقل مثل ذلك في التجوّف في الفخذ، أو اليد، أو الظهر، أو غير ذلك، وكل ما ليس بينه وبين البطن منفذ.

4 -أن هذا السائل الداخل إلى غير جوف لا يفطر حتى لو كان المحل يتغذى به، كما لو جُرِحَ إنسان في شحمة أذنه، فأعطي دواء تتغذى الشحمة منه، وتلتئم، فإن هذا لا يفطر باتفاق الفقهاء، وهذا مثله، وإنما قال الحنفية بإفطار ما يصلح البدن بشرط الوصول إلى الجوف، واستقراره فيه وهذا ما لا يتحقق في إبر العضل، فإنها لم تصل الجوف أصلًا، أما تشرب الأوعية الدموية لها فما هو إلا كتشربها عبر المسام للدهانات، والمراهم والماء البارد، ومعالجة الجراح، وهي أمور ليست بمفطرة بالاتفاق.

ويناقش هذا القول:

بأن ما يقال في الأوردة من أنها صارت منفذا معتادا يقال في العضل، ويبقى الفرق بينهما في السرعة والبطء في إمداد الجسم.

وكلاهما أيضًا خارج الجوف الشرعي، وإنما أعطي حكمهما لأن الداخل فيها صائرٌ إليه.

الراجح:

القول بالإفطار بالداخل من إبر الوريد والعضل مطلقًا:

وذلك لأن الأوردة والعضل أصبحت منفذا معتادًا لتناول الغذاء والدواء فيقع الإفطار بالداخل فيها، وهي تصل إلى سائر الجسم، ومنه الجوف الشرعي، وإن كانت الأوردة والعضل في نفسها خارج الجوف الشرعي، ولكنها أصبحت تمده باحتياجاته المباشرة من الغذاء والدواء، والفرق بينهما هو في السرعة والبطء وأشياء لا أثر لها في تحصيل الحكم الشرعي.

( [1] ) الذخيرة (2/ 505) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت