والتّأكيد هنا على هذه الآيات، التي ذكرنا مثلها في ما مضى، بسبب أنّ المسيح كان إلهًا لا تعجزه الآيات، فلماذا يرفض إبراز الآيات البيّنات التي تقيم الحجّة على الخصم دون سبّه وإهانته ووصفه بالفاسق الفاسد؟، فالمسيح في موضع بيان ودعوة، وليس موضع خصام وصراع.
وهذه أمثلة قليلة من الكثير بين دفتّي الإنجيل المحرف نتجاوزها إلى أخرى، فالمسيح يستمرّ في أسلوب الوعيد والسبّ، ولا يترك بسلام حتّى المدن والقرى يقول (ويل لكوزين وبيت صيدا وأنت يا كَفْر ناحوم! أترتفعين إلى السّماء؟ لا، إلى الجحيم ستهبطين) [1] .
هذا هو حال اليهود من علماء وكتاب وعامّة مع المسيح، فما حال غيرهم؟
يفصح المسيح عن يهوديّته فلا يكتمها فيقول لامرأة سامريّة (أنتم السّامرّيّين تعبدون من تجهلونه، ونحن اليهود نعبد من نعرف لأنّ الخلاص يجيء من اليهود) [2] .
فالسّامريّون عند المسيح جَهَلة، يعبدون إلهًا يجهلونه، وأمّا اليهود فهم سبيل الخلاص، مع أنّ اليهود قبل قليل كانوا أشرارًا، وحيّات ملعونة!!
ورغم أنّ المسيح كان يزعم بأنّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله، حتّى لا يصطدم مع السّلطة الرّومانيّة الحاكمة في فلسطين، إلاّ أنّه ينسى في بعض الأحيان ذلك ويطلق العنان للسانه في سبّ الرّوم ورموزهم ويتوعّدهم بالويل والثّبور وعظائم الأمور.
يقول المسيح (لابدّ من حدوث ما يعرّض النّاس للخطيئة، ولكن الويل لمن يكون حدوثه على يده، فخير له أن يعلّق في عنقه حجر طحن ويرمى في البحر) [3] .
ويتحدّث المسيح بلسان ملك من الملوك ضاربًا بذلك مثلًا لأصحابه، والأمثال تدلّ على نزعة لاشعوريّة تخرج من الأعماق (أمّا أعدائي الذين لا يريدون أن أملك عليهم فجيئوا بهم إلى هنا، وأقتلهم أمامي) [4] .
ويقول (اجلس عن يميني حتّى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك) [5] .
(1) متّى 11: 23.
(2) يوحنّا 4: 22.
(3) لوقا 17: 1 - 2.
(4) لوقا 19: 27.
(5) لوقا 20: 43.