كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 109
الْأَرْضَ مَهْدًا) [طه: الآية 53] .
واعلم أن كون الأرض فراشا مشروط بشروط، وهي متضمنة لدلائل:
(الدليل الأول) : في كونها متحركة
؛ وذلك لأنها لو كانت ساكنة لما كانت فراشا لنا على الإطلاق؛ لأن الأرض لو كانت ساكنة لانحلت منها قوة التماسك، وفسد تركيب الجزئيات التي لا تتجزأ، والدليل على ذلك أنه ينتج من انعزال الأرض في الفراغ قاعدة؛ وهي أن جميع الأجسام تميل إلى الانجذاب نحو مركز الأرض؛ إذ لا شيء ينفصل من كرة أرضنا ويضيع في الفراغ، فالأجسام التي تقذف بعيدا عن سطحها تعود إليه بسرعة دائما، وهذا الميل هو المعبر عنه بالثقل أو الجذب الأرضي فجعل تعالى خاصية الأرض أن تجذب نحو مركزها جميع الأجزاء المادية التي هي مركبة منها، وجميع الأجسام التي على سطحها أو التي تكون بعيدة عنا، وقد ثبت بالتجارب أن قوة الجذب تكون على حسب عكس مربع المسافة وحينئذ تكون كرة الأرض عبارة عن جملة جزئيات منضمة إلى بعضها بالقوة الجاذبة إلى المركز، والظاهر أن شكلها الكروي يدل على أن هذه الجزئيات كانت تنزلق على بعضها فانجمع أغلبها نحو المركز.
(الدليل الثاني) : في تحركها أيضا قول علماء الهيئة أن الكرة مفرطحة أي منبعجة قليلا جهة قطبيها ومنتفخة جهة خط الاستواء، وقد ثبت هذا التفرطح بالمشاهدة وبحركة البندول والاهتزازية أيضا الآتي شرحه فإن عدها في زمن مقدر معلوم يكون أكثر جهة القطبين منه في خط الاستواء، ونصف قطر الأرض في خط الاستواء يبلغ أربعة آلاف وثلاثمائة ميل وخمسة أميال تقريبا وبجوار القطبين أربعة آلاف ومائتي ميل وتسعين ميلا تقريبا، فيكون الفرق بين قطرها الاستوائي وقطرها القطبي خمسة عشر ميلا، ويتضح من ذلك أن كرة الأرض لم تكن جزئياتها المادية منضمة كما هي الآن، بل كانت متحركة تنزلق على بعضها فأثرت فيها القوة المركزية الطاردة الناشئة عن حركتها اليومية، فأحدثت انتفاخا في كتلتها نحو خط الاستواء وانبعاجا نحو القطبين، ثم تصلبت هذه الجزئيات بعد ذلك وحينئذ يعلم أن الأرض كانت سائلة في ابتداء خلقتها، وقد قلنا: إن مركز الأرض لا تزال فيه درجة الحرارة المرتفعة جدا تتجاوز كل ما يتصوره العقل وقدرها بعضهم على وجه التقريب فقال إنها مائة ألف وخمس وتسعون ألف درجة، ويمكن أن يقال: إن جميع المواد الداخلة في تركيب الأرض كانت ابتداء على حالة غازات أو أبخرة بتأثير هذه الحرارة الشديدة كما قررنا ذلك في تفسير قوله