فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 364

فلأنه إما أن يكون مستقرا من حيث هو فيكون ساكنا، أو لا يكون مستقرا من حيث هو فيكون متحركا، وإنما قلنا: إنه يستحيل أن يكون متحركا؛ لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، وماهية الأزل تنافي المسبوقية بالغير، والجمع بينهما محال، وإنما قلنا: إنه يستحيل أن يكون ساكنا؛ لأن السكون وصف ثبوتي وهو ممكن الزوال، وكل ممكن الزوال مفتقر إلى الفاعل المختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث؛ فكل سكون محدث فيمتنع أن يكون أزليا، وإنما قلنا: إن السكون وصف ثبوتي؛ لأنه يتبدل كون الجسم متحركا بكونه ساكنا مع بقاء ذاته فأحدهما لا بد وأن يكون أمرا ثبوتيا، فإن كان الثبوت هو السكون، فقد حصل المقصود، وإن كان الثبوت هو الحركة، وجب أيضا أن يكون السكون ثبوتيا؛ لأن الحركة عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان في غيره، والسكون عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان فيه بعينه، فالتفاوت بين الحركة والسكون ليس في الماهية، بل في المسبوقة بالغير وعدم المسبوقية بالغير، وذلك وصف عارض خارج عن الماهية، وإذا كان كذلك فإذا ثبت أن تلك الماهية أمر وجودي في إحدى الصورتين، وجب أن تكون كذلك في الصورة الأخرى، وإنما قلنا: إن سكون السماء جائز الزوال؛ لأنه لو كان واجبا لذاته، لامتنع زواله، فكان يجب أن لا تتحرك السماء، لكنا نراها متحركة فعلمنا أنها لو كانت ساكنة في الأزل لكان ذلك السكون جائز الزوال، وإنما قلنا: إن ذلك السكون لما كان ممكنا لذاته افتقر إلى الفاعل المختار؛ لأنه لما كان ممكنا لذاته فلا بد له من مؤثر، وذلك المؤثر لا يجوز أن يكون موجبا؛ لأن ذلك الموجب إن كان واجبا وكان غنيا في إيجابه لذلك المعلول عن شرط، لزم من دوامه دوام ذلك الأثر فكان يجب أن لا يزول السكون، وإن كان واجبا ومفتقرا في إيجابه لذلك المعلول إلى شرط واجب لذاته، لزم من دوام العلة ودوام الشرط دوام المعلول.

أما إن كان الموجب غير واجب لذاته أو كان شرط إيجابه غير واجب لذاته كان الكلام فيه كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل وهو محال، أو الانتهاء إلى موجب واجب لذاته وإلى شرط واجب لذاته، وحينئذ يعود الإلزام الأول، فثبت أن ذلك المؤثر لا بد وأن يكون فاعلا مختارا، فإذا كل سكون فهو فعل فاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث؛ لأن المختار إنما يفعل بواسطة القصد، والقصد إلى تكوين الكائن وتحصيل الحاصل محال، فثبت أن كل سكون فهو محدث، فثبت أنه يمتنع أن يكون الجسم في الأزل لا متحركا ولا ساكنا، فهو إذا غير موجود في الأزل، فهو محدث وإذا كان محدثا افتقر في ذاته وفي تركيب أجزائه إلى موجد، وذلك هو اللّه تعالى، فثبت بالعقل أن باني السماء هو اللّه تعالى لا غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت