كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 177
وامرأة واحدة، وإن قلنا إن المراد هو الثاني فذلك إشارة إلى أن الجنس واحد، وإن كل واحد خلق كما خلق الآخر من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين، فإن من سن التفاوت أن لا يكون تقدير التفاوت بين الذباب، والذئاب لكن التفاوت إلى بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين؛ لأن الكافر جماد إذ هو كالأنعام بل أضل، والمؤمن إنسان في المعنى الذي ينبغي أن يكون فيه، والتفاوت في الإنسان تفاوت في الحس لا في الجنس كما قدمنا في التولعات إذ كلهم من ذكر وأنثى، فلا يبقى لذلك عند هذا اعتبار، وفيه مباحث:
«المبحث الأول» : [اعتبار النسب]
فإن قيل هذا مبني على عدم اعتبار النسب وليس كذلك فإن للنسب اعتبارا عظيما عرفا وشرعا حتى لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطي، فنقول: إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبرا، وذلك في الحس والشرع والعرف، أما الحس فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس، ولجناح الذباب دوي ولا يسمع عند ما يكون رعد قوي، وأما العرف فلأن من جاء مع الملك لا يبقى له اعتبار ولا آلية، إذا علمت هذا فيهما، ففي الشرع كذلك إذا جاء الشرف الديني الإلهي: لا يبقى الأمر هناك اعتبار لا نسب ونشب، ألا ترى أن الكافر وإن كان من أعلى الناس نسبا، والمؤمن وإن كان من أدونهم نسبا لا يقاس أحدهما بالآخر وكذلك ما هو من الدين مع غيره، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان دينا عالما صالحا، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب وقاروني النشب، ولكن إذا اجتمع في اثنين الدين المتين وأحدهما نسيب، ترجح بالنسب عند الناس لا عند اللّه تعالى؛ لأن اللّه تعالى يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) [النّجم:
الآية 39]. وشرف النسب ليس مكتسبا ولا يحصل بسعي.
«المبحث الثاني» : ما الحكمة من اختياره النسب من جملة أسباب التفاخر ولم يذكر المال؟
فنقول الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لكن النسب أعلاها؛ لأن المال قد يحمل للفقر فيبطل افتخار المفتخر، والحسن والسن وغير ذلك غير ثابت دائم والنسب ثابت دائم مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له ذلك، فاختاره اللّه تعالى للذكر، وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان غيره بالطريق الأولى.