ويحاول بعض المؤرخين والسياسيين الذين عالجوا هذا الموضوع التقليل من أهمية هذا المنفذ معتمدين على كون الأغلبية من الأوربيين قد رحلوا بمحض إرادتهم وتخلوا عن ممتلكاتهم بما في ذلك أراضيهم الخصبة الشاسعة. فرحيل الأوربيين هو في واقع الأمر، قرار لم يحل المشكل بل زاده تعقيدًا لأنه أوجد وضعًا قانونيًا جديدًا لم تتعرض له اتفاقيات إيفيان وسوف تتخذ منه فرنسا وسيلة ضاغطة إلى أبعد الحدود من أجل تثبيت قواعد الاستعمار الجديد.
إن الأملاك الشاغرة في جميع الميادين ستظل موضوع نزاع الجزائر وفرنسا إلى غاية الثمانينات، بل إن بعض السياسيين الفرنسيين ما زالوا حتى الآن ينادون بضرورة إعادة فتح ملف التعويضات، بينما لم تلجأ السلطات الجزائرية إلى المطالبة بالتعويض عن الإهمال المقصود الذي لايختلف في الحقيقة، عن عمليات التخريب المنظمة.
وإضافة إلى هذا الوضع القانوني الجديد، فإن رحيل الأوربيين قد أفاد العملاء الجزائريين الذين انشغلت عنهم السلطات الجزائرية بالعمل على سد الفراغ المهول الذي أحدثه ذلك الفرار المفاجئ، وسوف يستفيد الاستعمار الجديد كثيرًا من السكوت عن هؤلاء العملاء وإحلالهم، فيما بعد، محل الفرنسيين الفارين.
هكذا، إذن، فإن جبهة التحرير الوطني التي اعترفت بها فرنسا ممثلًا وحيدًا شرعيًا للشعب الجزائري والتي أجمع المجلس الوطني للثورة الجزائرية على إبقائها قائدًا ومرشدًا للثورة الجزائرية، سوف تكون مضطرة للاعتماد على إدارة استعمارية يسيرها، عمليًا، إطارات وموظفون جزائريون، ما في ذلك شك، ولكنهم معدون لمناهضة الثورة وليس لخدمتها. ولقد كان قبول هذا الوضع المحتوم تنازلًا خطيرًا لأنه سوف يمكن أعداء الثورة من توظيف الإجراء الإداري بجميع أنواعه لعرقلة القرار الثوري ومنعه من التطبيق.
2)- تشكيل القوة المحلية من الجنود الجزائريين الذين يسرحون من صفوف الجيش الفرنسي أو من وحدات الحركة [1] و"القومية" [2] ويبلغ عدد أفرادها أربعين ألف رجل يقودهم ضباط جزائريون ينتقون من داخل الجيش
(1) الحركة هم الجزائريون سلحهم الجيش الفرنسي ونظمهم في وحدات صغيرة وضع على رأسها ضباطًا وصف ضباط. من الفرنسيين قصد استعمالهم لمحاربة جيش التحرير الوطني. ولقد أدت الحركة ادورًا خطيرة خاصة في الأرياف حيث كانوا أكثر شراسة من الاستعماريين أنفسهم.
(2) القومية هم الجزائريون الذين جندهم القواد والباشغوات لمحاربة جيش التحرير الوطني. وفي كثير من الأحيان فإنهم لم يكونوا مدركين لخيانتهم.