من منبع حضرة نبيه أنهارًا سائلة وبحارًامتطاولة من اغترف من أحدها شرب من منبعها ومن لازم واحدًا منها اتصل بمنشأها ولم يزل سلف هذه الأمة على هذه الطريقة فكان الصحابة (1) - رضي الله عنهم - يختلفون في الأمور الشرعية ويقيمون على ما ذهبوا إليه دلائل ظنية أو نصوصًا صريحة وتلامذتهم كانوا يغترفون من أنهارهم ويغوصون في بحارهم من غير أن يعنف طائفة على طائفة أو يتوجه إلى الطعن والتخطية ما لم يظهر دليل قاطع على الخطأ أو النسية وانتقلت هذه السنة المرضية إلى أتباعهم وأتباع أتباعهم من الأئمة المجتهدين والفقهاء والمحدثين إلى أن من الله تعالى على الأئمة الأربعة (2) المشهورين بانتشار مذهبهم وشهرة مسلكهم وتدوين كتبهم واجتماع أصولهم وفروعهم فأكب كل (3)
(1) قوله: الصحابة: قال الشعراني في ميزانه رأيت فتوى السيوطي - رضي الله عنه - مطولة قد حث فيها على اعتقاد أن سائر أئمة المسلمين على هدى وإن تفاوتوا في العلم والفضل، ولا يجوز لأحد التفضيل الذي يؤدي إلى نقص في غير إمامه، قياسًا على ما ورد الأنبياء، فقد حرم العلماء التفضيل المؤدي إلى نقص نبي أو احتقاره لا سيما إن أدى ذلك إلى خصام أو وقيعة في الأعراض، وقد الاختلاف بين الصحابة في الفروع، وهم خير الأمة، وما بغلنا أن أحدًا منهم خاصم من قال بخلاف قوله، ولا عاداهم، ولا نسبه إلى خطأ، وفي الحديث: (اختلاف أمتي رحمة) ، وقد كان الاختلاف على من قبلنا هلاكًا أو عذابًا.
(2) قوله الأئمة: في إشارة إلى انحصار المسالك في المذاهب الأربعة المشهورة في الأزمنة المتأخرة أمر إلهي وفضل رباني لا يحتاج إلى إقامة الدليل عليه.
(3) قوله: كل من خلا... الخ: قال الشيخ ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة: هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد أجمعت الأئمة أو من يعتد به منها على جواز تقليدها ليومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى، لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جدًا، وأشربت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه.