الصفحة 6 من 230

من خلا عن رتبة الاجتهاد والترجيح وهم غالب الأمة على اختيار مسلكهم النجيح فاختار كل جماعة (1) مسلك من لاح له ترجيحه وقام بتأييده وتأصيله وتوجه إلى ترجيح مذهب من اتبعه وتوثيقه فمن ثم لقبوا بألقاب نسبية من الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية وتوجهت كل فرقة منهم إلى تدوين الكتب وجمع المسائل وإقامة الحجج والدلائل وإثبات ما اختاره إمامهم بأحد من الأدلة الأربعة والجواب عما سلك عليه مخالفهم بالأجوبة المرضية ومع ذلك كانوا متفقين على أن الحق ليس بمنحصر في ما اختاره ولا أن الخطأ قطعي بمن خالفه بل كلهم بذلوا وسعهم في التنقيح والتوضيح والتصريح والتلويح والتصحيح والترجيح من غير أن يطعن أحد على أحد طعنا جاوز عن حد، وقد كان كثير منهم يرجحون ما هو رواية شاذة عن إمامهم ويوثقون ما سلك عليه مخالفهم من غير عصبية مذهبية ولعمري هذه هي الطريقة المتوسطة التي أمرنا (2) بإقامتها وبدعاء التوفيق على سلوكها ولم يزل أمر الدين على هذا الأسلوب المتين إلى أن خلف من بعدهم خلف هجروا اتباع أسلافهم وقلدوا أهواء نفوسهم ونالوا حظًا من التعصب المذهبي وارتكز في قلوبهم الترفع المشربي وأخذوا يخرجون مسائل متفرقة من الأصول المتقررة ويفرعون الحوادث المتكثرة على القواعد المنقولة فإن وجدوا حديثًا صحيحًا أو دليلًا غيره صريحًا مخالفًا لما أسسوا بنيانه أخذوا في الجواب عنه بالتأويل أو النسخ أو التضعيف وضعفوا القوي وقووا الضعيف زعمًا منهم أن ما فرعوه وخرجوه أو نقل

(1) قوله: كل جماعة... الخ: ومما شذ به ابن حزم الظاهري أن التقليد مطلقًا حرام، فهو قول صدر عن غفلة أو سفاهة، ولا يستحنسه إلا ذو حماقة أو غباوة، وقد رد عليه ردًا مشبعًا صاحب حجة الله البالغة في حجة الله البالغة وفي رسالته قد الجيد في التقليد.

(2) قوله: أمرنا..الخ: أي بقوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} ، فإن المستقيم هو المستوي، وهو الوسط الذي إفراط فيه ولا تفريط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت