الله في دعوة من دعاه إلى عدم تولية الفاروق من بعده فقال:"أَبالله تخوفونني؟"، وذلك لعلمه بالله وبما أصاب من الحق، وببصيرته أن لا يستجيب إلى عمل مفضول تحت باب التخويف من الله تعالى.
والقصد أن المرء لا يترك الخير للفضاء أي للاشيء، بل لا يترك عملًا فيه الخير إلا لعملٍ هو أفضل منه، وأعظم أجرًا، والذين يدعون إلى حل الجماعة، وإلى ذوبانها، ينبغي النظر إلى المقابل اليوم، وما هي النتيجة التي سيؤول الناس إليها، وهل سيكون البديل خيرًا من الموجود القائم، هذا ما يقرر الحكم.
والعاقل البصير يعلم أن الدعوة المشبوهة هذه ليس خلفها هَمُّ الإسلام ولا مصلحة الشريعة، بل ضاق ذرعهم بما جذرت من حق، وأبانت من سبيل هُدى، ثم كان من توفيق الله تعالى لها أنها ما فُتنت فتنةً إلا خرجت منها أشد وأصلب، والناس يريدون هلاكها والله يمدُّ لها الأغصان والفروع، ويبسط لها المحبة في القلوب، ويخرج منها توفيقًا منه الغثّ والعفن والقذر، حتى تبقى على صورةٍ من الحق كما هو شأن أهلها في الإخلاص نحسبهم والله حسيبهم، فهي التي قدمت الشهداء، وضربت رأس الكفر حيث ابتهج بفعلها عموم المسلمين بحمد الله تعالى، فيقال الآن ماذا سيقدم البديل إن ذهبت هذه الحقيقة، ونحن ما زلنا نعيش الذكرى التي تمد الناس بالشجاعة وصور التضحية والشهادة، فهل يراد إذهاب كل هذا من أجل أملٍ زائف وصورةٍ غائمة لا يتبيّن مستقبلها على وجه من الوضوح بله الأفضل المأمول.
والذين يريدون غيرها يقال لهم ها هو الميدان، وها هي سبل الحق والجهاد قد مهدت، وها هي مقامات التنافس قد بسطت فأقيموا من الأفعال ما يجعلكم أحق بالإمامة من غيركم، ذلك لأن الإمامة تنافس واصطفاء بقدر البذل والعطاء، ولكن إياكم وصناعة الباطل كما فعلها أهل الغلو حبث ذهبوا إلى مضمار الغلو الموصل إلى الخذلان في المآل، فإن تعاظمه وتمدده في ظرف هو تعاظمٌ سرطاني، يكون فيه التمدد لكنه لا يقيم الحق ولا يديمه، وحاله كحال شارب المخدرات والمنشطات يقوى للحظة ويتعاظم ثم يؤول إلى هلاكٍ ودمار، وهذا هو شأن أهل البدع حين تقدم، فإنها تجرّ وراءها الزبد من البشر في وقت ضعف العلم وقلة الفهم والدين، ثم لا تلبث أن تزول بزوال أثر المخدر عن صاحبها حتى تؤول إلى ضعفٍ وهلاك ولذلك فإن التنافس يكون في ميدان السُنّة والحق، لا بالشر الذي هو أجمع للناس في وقتنا.