بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ...
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وإمام المتقين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين ... جعلنا الله -عز وجل- منهم .. آمين.
أمّا بعد ...
فقد تَقَدَّم الكلام على بعض معاني حبل الله تعالى الذي أمرنا بالاعتصام به، وهذا الحبل فيه أمورٌ ثابتةٌ لا تتغيّر، من الإخلاص والتزام الكتاب والسُنّة، والعمل بالحكمة، وفيه أمورٌ تظهر للناس في وقت باعتبارها مهمة، ثم تضعف في وقتٍ آخر، وذلك لتغيّر الظروف التي تُغيّر الموقف فيما هو متغيّرٌ في شرع الله تعالى، كحكمٍ بُنيَ على العُرف، أو بُنيَ على اختيار المكلَّف فيما أطلقه الله تعالى من غير تحديد، فأفراد الحكمة تتغيّر من وقتٍ لآخر، لأن الحكمة هي سبيل إصابة الفعل الشرعي، وهي أدوات الكتاب في تطبيقه، ولذلك جاءت مقرونةً في العطاء الإلهي فيما أعطاه للأنبياء، كما قال تعالى في قوله عن داوود: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} ، وقال عن عيسى -عليه السلام-: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} ، ومنَّ الله على المؤمنين بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} ، والعطف يقتضي المغايرة كما هو معلوم، فاجتماعهما دلَّ على افتراقهما، فالحكمة أمرٌ زائد عن الكتاب، ومعناها طرق تطبيق الكتاب في واقع البشر المختلط بالحسنة والسيئة، والمصلحة والمفسدة، وبين ما هو قريب المنفعة مع قلّتها مع بعيد المنفعة مع كثرتها واستقرارها، وهذا مما يدخل فيه التغيّر من وقتٍ لآخر، ولذلك ما يقال اليوم من حبل الله تعالى داخلٌ بعض معانيه في هذا المعنى المذكور، فلا يُستغرب نسبته لحبل الله تعالى، فإن الحبل هو ما أوصل للمطلوب وكان سببًا لتقوية الحق بين الناس وإدامته، فكل ما قوّاه داخلٌ في معناه، وكل ما أوهنه كان من ضد حبل الله تعالى؛ يفهم هذا كلُّ طالب علمٍ يفقه الدين والحياة، أي الشرع والقَدَر.
تَقَدَّم القول عن الإخلاص ومفهوم الجهاد في وضعه الشرعي ووجوب خلوصه من تلعّب الآخر من الخصوم سواء بالصِلات والعلاقات أو بالمدّ المالي والدعم الذي له حقيقةٌ واحدةٌ