هذا المعنى وهو إلغاء المفهوم السياسي للأنصار والمهاجرين يعني في موضوع الوحدة اليوم، أن يُنظَر إلى الناس باعتبار كفاءاتهم وقدراتهم، والكلام هنا عن القيادات الكبرى، وأمّا ما كان خاصًا لمدينةٍ ما فهذه لها قانونها المعلوم من الحكمة في التعيين والاختيار، وهو قانونٌ كانت حكمة النبوّة في تجاوزه أحيانًا كما هو بَيّنٌ في قراءة السيرة النبوية، وأمّا النظر إلى «غريبٍ» و «بَلَدي» في القيادات الكليّة العظمى بحجة الحكمة المزعومة فهذا تكريسٌ للجاهلية كما هو بَيّن، وهذا لمن تأمّله يعني فرض دين الإسلام في هذا الباب، وهو مما يُعين على تحديد مفهوم الجهاد المُتَقَدِّم ذكره في المقال السابق، فإن وجود هؤلاء هنا وفي أعلى مراكز القيادة يعني صواب الجهاد، وأن مآلاته هي مآلات الجهاد كما هو في دين الله تعالى وآمال المسلمين عامّة.
وأنا هنا لا أتكلم عن حكمة الإدارة ولا أضبط أحدًا في اختياره، لكني أتحدث عن المفاهيم التي تحكم البعض، وهي مفاهيم غير سديدة، ومن غير هدمها لا يتم الانطلاق بسُنّةٍ نبويّة ولا سُنَنَيّة صحيحة توصل للمراد، ويمكن للمخالف أن يقول:"أليس من الحكمة اعتبار نفسية الناس وظروفهم وميولهم؟"والجواب نعم، ولا يشكُّ في هذا أحد، كما لا يناقضه أحد، لكن نحن نعالج مفاهيم جاهلية تريد قيادة الجهاد في داخل أطرها الخاصة، ثم هي تريد تزويق هذه الرؤى بالشرع والدين، وهي تبدأ بالقليل لتنتهي إلى سرقة حقيقة هذا الجهاد لجعله حالة ثورةٍ إنسانيةٍ لا نية فيها لدينٍ ولا لشرع إلا بما يخدم المراد.
كما يمكن أن يقال:"أَلَم يقم بعض المهديين اليوم من اعتبار هذه التقسيمات في ظرف من الظروف؟"والجواب نعم، قد فعله الحكماء ولا شك، ولكن وهو يعمله، أي هذا الاعتبار ويقيمه يقسّم الولايات على وفق قاعدة الجهاد الشرعي ليتم ضبط الأمور ضبطًا حكيمًا، لا على معنى ما يريده القُطريون في تقسيماتهم.
هناك دائمًا في الوجود - رغم أنوفنا - حدودٌ نضطرُّ إليها مع عدم صحتها في المطلق، كما حَدَّ وقت قبول الشعر في سَنَةٍ مُعيّنة وجعل بشار بن بُرد حدًا لهذا الفصل، وهو أمرٌ في المطلق غير مقبول، لكنه أمرٌ اضطراري، وكما تحدُّ التواريخ في الدراسات، وكما تحدُّ الولايات في تاريخنا الإسلامي، لكنها هذه لا تكون إلا لحكمة الفعل والاضطرار إليه، لا أنه دينٌ يريد البعض اتخاذه وسيلةً لتنفيذ أجندته الخاصة في الوصول إلى أهدافه النهائية.
نحن نعلم كيف تلتقي الكلمات، ونعلم كذلك كيف تختلف المقاصد، وكذلك نعلم منطلقات الأقوال والأفعال، وبها نحكم على الناس، لا لأن الأمر بحثٌ في النوايا والبواطن، بل لأننا